حين تنتهي ميساء عبيدو من عملها في الشرطة النسائية بمدينة طرطوس، تبدأ مهام أخرى في منزلها، حيث تنتظرها بناتها الثلاث ومسؤوليات يومية، من إعداد الطعام إلى متابعة شؤون الأسرة وتجهيز المؤونة المنزلية.
في الثامنة والثلاثين من عمرها، كانت ميساء من بين النساء اللواتي اخترن الالتحاق بسلك الشرطة بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، ضمن عملية إعادة تنظيم الأجهزة الأمنية السورية وتوسيع مشاركة النساء فيها.
بدأت رحلتها بالتسجيل عبر رابط انتساب نشرته وزارة الداخلية السورية، قبل خضوعها لتدريب استمر أربعة أشهر، أمضت أولها داخل مركز التدريب دون إجازات، فيما تخللت الأشهر التالية فترات راحة متقطعة.
لم يكن القرار سهلاً بالنسبة إلى أم لثلاث بنات، إذ كان عليها التوفيق بين متطلبات التدريب ومسؤوليات الأسرة. وتقول ميساء إن دعم زوجها وتشجيع بناتها ساعداها على تجاوز تلك المرحلة والاستمرار في العمل.
آلاف المتقدمات وعشرات الخريجات
تأتي تجربة ميساء في سياق توجه وزارة الداخلية إلى تعزيز حضور النساء في العمل الشرطي، بعد افتتاح معهد الشرطة النسائية بمدينة التل في ريف دمشق، في آذار/مارس 2026.
وبحسب مديرة المعهد، العميد هدى محمود سرجاوي، تقدمت نحو 15 ألف امرأة للانتساب، فيما تخرجت الدفعة الأولى، التي ضمت 150 شرطية، في أيلول/سبتمبر الماضي، بعد تدريب استمر ستة أشهر.
وأوضحت سرجاوي في تصريح سابق لـ”سوريا بلس” أن الخريجات يُوزعن على قطاعات وزارة الداخلية وفق مؤهلاتهن واحتياجات العمل، بما يشمل السجون والمطارات والمنافذ الحدودية والمهام الإدارية والميدانية.
وسبق أن أشارت تقارير صحفية إلى قبول أكثر من 500 امرأة للتدريب في معاهد الشرطة بدمشق وطرطوس، ضمن عمليات الانتساب التي بدأت أواخر عام 2025.
وداد.. بين كلية الحقوق والعمل الشرطي
كانت وداد عثمان، البالغة من العمر 20 عاماً والمنحدرة من محافظة اللاذقية، من بين النساء اللواتي التحقن بسلك الشرطة النسائية بعد سقوط نظام الأسد.
وتجمع وداد اليوم بين دراستها في كلية الحقوق وعملها الشرطي في طرطوس، بعد خضوعها لدورة تدريبية استمرت أربعة أشهر، شملت اللياقة البدنية والتدريبات النظامية والهجرة والجوازات واستخدام الأسلحة الخفيفة.
وتقول لـ”سوريا بلس”: “اكتسبنا صبراً حقيقياً، وقدرة أكبر على تحمل المسؤولية، وحسن التعامل مع مختلف الشخصيات والظروف”، مشيرة إلى أن التدريب والعمل لا يخلوان من ضغوط نفسية وجسدية.
ولا تقتصر التحديات على ساعات الدوام والدراسة، إذ تواجه وداد مواقف اجتماعية متباينة حيال عمل النساء في الشرطة.
وتوضح: “كثير من الناس لطفاء ويقدرون حضورنا، في حين قد تحمل نظرة البعض الآخر شيئاً من التحفظ باعتبار أن مهنة الشرطة ليست للنساء كما يعتقدون”.
ورغم هذه الصعوبات، تواصل وداد دراستها الجامعية، وتأمل أن تصبح ضابطة في المستقبل.
مايا ونور.. مهام مختلفة وتحديات يومية
ومن محافظة حمص، التحقت مايا بالشرطة النسائية في طرطوس، بالتزامن مع دراستها في كلية التجارة والاقتصاد.
ترافقها كتبها الجامعية إلى مكان العمل، وتستغل فترات الاستراحة بين المهام لمراجعة المحاضرات، في محاولة للتوفيق بين الدوام والتحصيل العلمي.
أما نور عبسي، فتعمل سائقة لإحدى سيارات الشرطة في طرطوس، ضمن المهام الميدانية التي تتولاها المنتسبات إلى الجهاز.
وتعكس تجارب النساء الأربع اختلاف ظروف المنتسبات إلى الشرطة، بين مسؤوليات الأسرة ومتطلبات الدراسة والعمل الميداني، في مرحلة تشهد إعادة تنظيم الجهاز الشرطي وتوسيع مشاركة النساء في اختصاصاته.
ومع انتهاء الدوام، تعود ميساء إلى بناتها الثلاث وشؤون منزلها، فيما تنتظر وداد ومايا كتب جامعية ومحاضرات لم تنتهيا من مراجعتها بعد.



