تعديلات الكتب المدرسية السورية تفتح ملف معايير تطوير المناهج

حجم الخط

أعادت تغييرات طالت صوراً ورسومات ومضامين تعليمية في عدد من الكتب المدرسية السورية فتح النقاش حول المعايير المعتمدة في مراجعة المناهج، بعدما أظهرت مقارنات بين طبعات قديمة وحديثة حذف أعمال فنية ومنحوتات أثرية ودروس تتناول المواطنة والحياة السياسية.

وفيما تؤكد وزارة التربية والتعليم أن التعديلات اقتصرت على إجراءات إسعافية لإزالة رموز النظام السابق ومضامينه، أعلن أربعة أعضاء في مجلس الشعب متابعة مراجعة الكتب المثيرة للجدل، بينما ترى الخبيرة التربوية زمزم عبد الجليل البيطار أن تطوير المناهج يتطلب مراجعة علمية تتجاوز حذف الصور والنصوص، وتضمن اتساق المحتوى وعدم إحداث فجوات معرفية لدى الطلاب.

وتوضح البيطار، رئيسة مكتب العلاقات الخارجية والأنشطة والمشاريع في المكتب التنفيذي لنقابة المعلمين، أن المنهاج لا يقتصر على الكتاب المدرسي، بل يشمل الأهداف التعليمية والمحتوى وطرائق التدريس والأنشطة والوسائل التعليمية وأساليب التقويم.

وتؤكد أن عمليات الحذف والإضافة ينبغي أن تخضع لمراجعة علمية أفقية ورأسية، تراعي الترابط بين المواد والمراحل الدراسية، وتوفر بدائل تعليمية مناسبة للمضامين المستبعدة، بما يحافظ على المعارف والمهارات التي يفترض أن يكتسبها الطلاب.

ماذا تغيّر في الكتب المدرسية؟

بدأ الجدل بعد نشر الصحفي السوري محمد السلوم مقارنات بين نسخ قديمة وحديثة من الكتب المدرسية، أظهرت اختلافات في الصور والرسومات وبعض المضامين التعليمية.

وشملت التغييرات المرصودة كتب الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية والتاريخ، من الصف الأول حتى السابع، وتضمنت حذف صور لنساء وأطفال، وإضافة الحجاب أو الجلباب إلى رسومات شخصيات نسائية، إلى جانب تعديل صور تماثيل أثرية وحذف أعمال فنية.

وفي تقرير نشرته في 24 تشرين الأول، قالت منصة “تأكد”، المتخصصة في التحقق من المعلومات، إنها راجعت المقارنات المنشورة وطابقتها مع نسخ رقمية قديمة وأخرى رقمية ومطبوعة من الكتب المعتمدة للعام الدراسي 2026-2027، وتحققت من وجود اختلافات فعلية في المحتوى.

ومن الأمثلة التي وثقتها المنصة حذف صورة تمثال المغنية أورنينا من مدينة ماري من كتاب الدراسات الاجتماعية للصف الثالث، بين طبعتَي 2021-2022 و2025-2026، مع الإبقاء على صور أخرى لقطع أثرية في الصفحة نفسها.

كما حُذفت صورة تمثال عازفة الدف في أوغاريت من الكتاب ذاته، بينما بقيت صور الأقراط الذهبية وأبجدية أوغاريت.

وفي كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس، أُضيف لباس يغطي الجزء العلوي من جسد تمثال الكاتب المصري القديم، بعدما ظهر مكشوف الجذع في الطبعة الأقدم.

وأظهرت المقارنات أيضاً حذف صورة لوحة الموناليزا من أحد الكتب المدرسية، فضلاً عن تعديلات طالت رسومات لشخصيات نسائية.

ولم تقتصر التغييرات على الصور، إذ أظهرت مراجعة كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس، الصادر أصلاً للعام الدراسي 2012-2013، حذف دروس تتناول الإدارة المحلية والحياة السياسية والمواطنة والإعلام والمشاركة الديمقراطية، إلى جانب مضامين مرتبطة بالنظام السابق.

ورصدت منصة “تأكد” اختلافاً في تمثيل إحدى الشخصيات داخل كتب الصف الأول، إذ ظهرت طبيبة مرتدية الحجاب في صفحة، بينما بقيت الشخصية نفسها من دون حجاب في صفحة أخرى.

وزارة التربية: تعديل واحد منذ عام 2025

في المقابل، أكدت وزارة التربية والتعليم، في بيان أصدرته في 26 تشرين الأول، أن التعديلات التي أُجريت على المناهج منذ سقوط النظام السابق اقتصرت على تعديل واحد أُعلن عنه في كانون الثاني 2025، ولم تُجرَ تعديلات جديدة بعده.

وأوضحت الوزارة أن التعديل شمل حذف رموز النظام السابق ومضامينه الأيديولوجية، وتصحيح الصور والمحتوى المرتبط بها، ولا سيما في مناهج الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية بعد توحيدها.

وقالت إن تطوير المناهج يستهدف صون تنوع المجتمع السوري وترسيخ قيم المواطنة والانتماء واحترام الآخر، معتبرة أن بعض المعلومات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي غير دقيقة.

وأكدت الوزارة إنجاز الإطار الوطني العام للمناهج ووضع معايير لبناء مناهج جديدة تركز على التفكير النقدي والتحليل وحل المشكلات والمهارات الحياتية والرقمية.

لكن البيان لم يحدد المقارنات التي اعتبرتها الوزارة غير دقيقة، ولم يقدم تفسيراً تفصيلياً لأسباب حذف بعض المنحوتات والأعمال الفنية أو تعديل الرسومات النسائية، ولا للمعايير التي استندت إليها هذه التغييرات.

وفي متابعة نشرتها في 26 تشرين الأول، أشارت منصة “تأكد” إلى أن إحدى الصور التي أرفقتها الوزارة ببيانها لإظهار التنوع في الكتب المدرسية تضمنت رسماً لأم أُضيف إليها الحجاب بين طبعتَي 2014-2015 و2025-2026 من كتاب التربية الإسلامية للصف الثالث.

وبذلك، فإن بيان الوزارة يوضح توقيت التعديل الذي تعترف بإجرائه وأهدافه العامة، لكنه لا يحسم أسباب جميع التغييرات المرصودة في الكتب، أو الجهات التي اتخذت القرارات المتعلقة بها.

نقابة المعلمين: التأليف الجديد لم يبدأ بعد

وقال نقيب المعلمين محمد مصطفى، في مداخلة على قناة رسمية، إن التعديلات التي طالت الكتب المدرسية كانت إسعافية وجزئية، وهدفت إلى إزالة ما يرتبط بالنظام السابق ورموزه، ولم تشكل عملية إعادة بناء للمناهج.

وأوضح أن عملية التأليف الجديدة لم تبدأ بعد، وأن العمل لا يزال في مرحلة إعداد المعايير الوطنية التي ستستند إليها المناهج المستقبلية.

ونفى مصطفى أن تعني التعديلات الحالية وجود توجه نحو أدلجة المناهج أو فرض لون واحد عليها، معرباً عن أمله في أن تعكس المناهج الجديدة تنوع المجتمع السوري ومكوناته.

وشدد على أهمية إشراك المعلمين في عملية التطوير، باعتبارهم المسؤولين عن تطبيق المناهج داخل الصفوف، وأن نجاح أي تغيير يرتبط بقدرتهم على تنفيذه.

أربعة نواب يتعهدون بمتابعة مراجعة المناهج

وفي تطور متصل، أعلن أربعة أعضاء في مجلس الشعب السوري، هم علي داود وياسر شحادة وإبراهيم العبد الله ولينا عيزوقي، متابعة الجدل بشأن المناهج المدرسية مع الجهات المختصة، موضحين أن الكتب المثيرة للجدل اعتُمدت في بعض مناطق الشمال السوري عام 2020، قبل اعتمادها مؤقتاً على المستوى الوطني.

وقال النواب، في بيان مشترك، إنهم تواصلوا مع نائب رئيس لجنة التربية والتعليم في المجلس، الذي أكد أن مناهج العام الدراسي المقبل ستشهد تعديل الفقرات التي يثبت افتقارها إلى الأسس العلمية والتربوية، على أن تتولى اللجنة العلمية المختصة إعداد التعديلات.

وشدد البيان على ضرورة تقديم التاريخ بحياد وموضوعية، وإبعاد المدارس عن الخلافات العقائدية، وتعزيز قيم المواطنة واحترام التنوع، استناداً إلى المادتين الثالثة والسابعة من الإعلان الدستوري.

وتعهد النواب بمواصلة التنسيق مع لجنة التربية والتعليم ووزارة التربية والتعليم ومجلس التعليم الأعلى لمتابعة مراجعة المناهج وفق أسس علمية وتربوية.

ما المعايير الدولية لتطوير المناهج؟

تضع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، عبر مكتبها الدولي للتربية، أُطراً مرجعية لتطوير المناهج المدرسية، تشمل دقة المعلومات وملاءمة المحتوى لأعمار الطلاب، والتدرج المعرفي بين الصفوف، واحترام التنوع الثقافي والاجتماعي، والمساواة وعدم التمييز.

ووفق الإطار العام لتحليل وتشخيص جودة التعليم الصادر عن المكتب، تستند مراجعة المناهج إلى رؤية تعليمية واضحة، وتحديد الجهات المسؤولة عن إعداد المحتوى وتقييمه، ووجود إجراءات منظمة للتصميم والتجريب والتنفيذ والمراجعة، بمشاركة المعلمين والمتعلمين والجهات المعنية.

وفي كانون الأول 2025، أصدر المكتب مجموعة أدوات لتطوير المناهج، تضمنت إرشادات لتشخيص الواقع التعليمي وإعداد الأطر الوطنية، وربط إصلاح المحتوى بطرائق التدريس وتدريب المعلمين وأساليب التقويم.

كما تدعو توصية اليونسكو لعام 2023 بشأن التعليم من أجل السلام وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة إلى تعزيز التفكير النقدي واحترام التنوع والمساواة بين الجنسين، وإدماج هذه المبادئ في المواد التعليمية.

وتوفر هذه المرجعيات أساساً لتقييم التغييرات التي طالت الكتب المدرسية السورية، من خلال النظر في مدى ارتباط الحذف والاستبدال بالأهداف التعليمية، وتأثيرهما في المعرفة التاريخية والفنية وتمثيل التنوع المجتمعي.

البيطار: إصلاح المناهج يحتاج إلى مشاركة أوسع

وفي ما يتعلق بمسار التطوير المرتقب، تدعو البيطار إلى وضع إطار وطني للمناهج يستند إلى فلسفة تربوية واضحة، ويحدد المعارف والمهارات التي ينبغي أن يمتلكها الخريج السوري، مع الاستفادة من التجارب الدولية بما يتناسب مع احتياجات المجتمع ومتطلبات سوق العمل.

وتشدد على إشراك المؤسسات الحكومية والخبراء التربويين والنقابات المهنية والمجتمع المدني في مراجعة المناهج، بإشراف المجلس التربوي الأعلى، بما يضمن وضوح المسؤوليات والحد من تأثر القرارات التعليمية بالتجاذبات المرحلية، ويحافظ على حيادية المعرفة والتراث الحضاري.

وتشير إلى أن إصلاح التعليم يواجه تحديات تتجاوز محتوى الكتب، من بينها اكتظاظ الصفوف ونقص المستلزمات والوسائل التقنية وتراجع الظروف المهنية والمادية للمعلمين، فضلاً عن تراكم المحتوى الدراسي والاعتماد على الامتحانات التقليدية.

وترى أن معالجة هذه المشكلات تتطلب إعطاء الأولوية لتعويض الفاقد التعليمي، ولا سيما في مهارات القراءة والحساب، وتطوير قدرات المعلمين وتحسين بيئة التعلم.

أسئلة تنتظر إجابات

تأتي هذه النقاشات في وقت تعمل فيه وزارة التربية على إعداد مناهج جديدة، بعد اعتماد كتب موحدة في المحافظات السورية وإجراء تعديلات قالت إنها استهدفت إزالة رموز النظام السابق ومضامينه.

وكانت الوزارة قد أعلنت في آب 2026 اعتماد مناهج موحدة للعام الدراسي الحالي، فيما تحدث وزير التربية محمد عبد الرحمن تركو، خلال جلسة أمام مجلس الشعب في أيلول، عن إحالة المعايير الوطنية للمناهج الجديدة إلى المجلس الأعلى للتربية والتعليم تمهيداً لبدء التأليف بعد إقرارها.

ورغم توضيحات الوزارة ونقابة المعلمين وتعهد النواب بمتابعة مراجعة المناهج، لا تزال أسباب حذف بعض المواد التاريخية والفنية والدروس التعليمية، والجهات التي أقرت تلك التغييرات، ومدى خضوعها لمراجعة تربوية متخصصة، بحاجة إلى توضيح.

كما لم يتضح ما إذا كانت قرارات الحذف والاستبدال قد استندت إلى معايير مكتوبة ومعلنة، أو خضعت لتقييم أثرها في المحتوى التعليمي قبل اعتماد الكتب وتوزيعها.

وبين التعديلات التي أُنجزت والمناهج الجديدة المنتظرة، يبقى السؤال المطروح أمام الجهات المعنية: من يحدد ما يُحذف من الكتب المدرسية وما يُبقى عليه، وعلى أي أساس علمي وتربوي تُتخذ هذه القرارات؟