يواجه مزارعو الزيتون في محافظة إدلب ارتفاعاً في تكاليف استصلاح الأراضي والقطاف والنقل والعصر خلال موسم 2026، رغم تحسن الإنتاج وعودة نحو 1500 هكتار من الأراضي الزراعية إلى دائرة الاستثمار بعد سنوات من الانقطاع، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة المحصول على تغطية النفقات وتحقيق أرباح مجزية.
وتتراوح أسعار تنكة زيت الزيتون بين 55 و70 دولار للنوع الأول، بحسب درجة الحموضة المعروفة محلياً باسم “الأسيد”، في وقت حددت فيه المحافظة سقوفاً رسمية لأجور العصر، وسط مطالب من أصحاب المعاصر برفع حصتهم من الزيت المنتج إلى عشرة بالمئة.
وفي حين تؤكد مديرية الزراعة أن التسعيرة الرسمية احتسبت هامش ربح يقارب 20 بالمئة لأصحاب المعاصر، يشكو هؤلاء من ارتفاع تكاليف التشغيل، ما يضع المزارعين أمام حسابات إضافية تتعلق بكلفة تحويل محصولهم إلى زيت والعائد الذي يتبقى لهم بعد انتهاء الموسم.
تكاليف متزايدة لإعادة الأراضي إلى الإنتاج
في مدينة كفرنبل جنوبي إدلب، عاد المزارع حمدو التعتاع إلى أرضه بعد أواخر عام 2024، ليجد أشجار الزيتون متضررة نتيجة سنوات النزوح وانقطاع أعمال العناية الزراعية.
وقال التعتاع لـ”سوريا بلس” إن إعادة الأرض إلى الإنتاج تتطلب إزالة الأحجار والأعشاب، وتأهيل الأشجار المتضررة، وشراء الغراس والأسمدة وتأمين السقاية.
وأضاف أن تكلفة حراثة الدونم الواحد قد تصل إلى ستة دولارات أو أكثر، تبعاً لأسعار المحروقات، إلى جانب أجور التقليم والقطاف ونقل المحصول.
وأوضح أن يومية عامل القطاف تبلغ نحو 500 ليرة تركية في بعض المناطق، وسط نقص اليد العاملة وتراجع أعداد الأشجار المنتجة في القرى التي تعرضت أراضيها للقطع والحرق خلال السنوات الماضية.
وتتضاعف الأعباء بالنسبة إلى المزارعين العائدين بعد سنوات من الانقطاع، إذ يحتاج جزء من أراضيهم إلى أعمال استصلاح قبل استعادة قدرته على الإنتاج.
من شوال الزيتون إلى تنكة الزيت
وفي تقدير لحجم النفقات، قال صاحب “معصرة المدينة” الحاج أحمد خراجي لـ”سوريا بلس” إن تكلفة إنتاج شوال الزيتون البالغ وزنه نحو 100 كيلوغرام تصل إلى 25 دولاراً على الأقل، وتشمل الفلاحة والقطاف وأجور العمال.
وأضاف أن كل 100 كيلوغرام من الزيتون تنتج نحو 25 كيلوغراماً من الزيت، مع اختلاف نسبة الاستخراج بحسب نوع الثمار وظروف الموسم.
وفي المقابل، تتراوح أسعار تنكة زيت الزيتون بين 75 و100 دولار، تبعاً لدرجة الحموضة المعروفة محلياً باسم «الأسيد» وجودة الزيت.
غير أن العائد النهائي للمزارع لا يتوقف على سعر البيع وحده، بل يرتبط بكمية الزيت المستخرجة، وتكاليف الإنتاج والنقل والعصر، فضلاً عن النفقات التي يتحملها لإعادة تأهيل أرضه.
تسعيرة العصر بين حماية الفلاح ومطالب المعاصر
وفي محاولة للحد من تكاليف العصر، أصدرت محافظة إدلب قراراً حددت بموجبه السقوف القصوى للأجور خلال موسم 2026، وفق طريقة الدفع والاتفاق بشأن مخلفات الزيتون المعروفة باسم “البيرين”.
وبحسب القرار، تبلغ الأجرة النقدية ست ليرات سورية للكيلوغرام الواحد إذا احتفظ المزارع بالبيرين، مقابل ليرتين في حال تركه لصاحب المعصرة.
أما الأجور العينية، فحُددت بنسبة خمسة بالمئة من كمية الزيت المنتج إذا لم يحصل صاحب المعصرة على البيرين، وثلاثة بالمئة في حال حصوله عليه.
وأتاح القرار للطرفين اختيار طريقة الدفع نقداً أو عيناً، بشرط عدم تجاوز السقوف المحددة.
لكن أصحاب معاصر يقولون إن ارتفاع تكاليف التشغيل يقلص أرباحهم، ويطالبون بإعادة النظر في حصتهم من الزيت المنتج.
وفي هذا السياق، قال خراجي إن أرباح المعاصر خلال الموسم الحالي ضعيفة جداً، نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء وأجور العمال والصيانة.
وأوضح أن تشغيل المعصرة يتطلب نحو 20 عاملاً، يتقاضى كل منهم قرابة عشرة دولارات يومياً، ما يرفع تكلفة العمالة إلى نحو 200 دولار في اليوم.
وأضاف أن المعصرة تتقاضى، وفق الآلية التي تحدث عنها، ستة كيلوغرامات من الزيت عن كل 100 كيلوغرام منتج، أو ما يعادل قيمتها نقداً.
وتختلف هذه النسبة عن السقوف الرسمية المحددة بين ثلاثة وخمسة بالمئة، ما يطرح تساؤلات بشأن آلية تطبيق التسعيرة ومدى التزام المعاصر بها.
وطالب خراجي برفع الحصة العائدة للمعصرة إلى عشرة بالمئة على الأقل، مشيراً إلى أن رسوم الترخيص الصناعي البلدية بلغت، بحسب قوله، نحو 1500 دولار هذا العام، إضافة إلى رسوم وضرائب أخرى لم تتضح قيمتها النهائية بعد.
كما دعا إلى توفير المازوت المدعوم من النوع الثاني للمعاصر، للمساعدة في خفض تكاليف التشغيل.
وفي المقابل، قال إن معصرته تقدم للمزارعين أكياس التعبئة والخيوط، وتتولى نقل المحصول من الأراضي الزراعية باستخدام سيارات وعمال تابعين لها، بهدف تخفيف الأعباء عن الفلاحين.
تحسن الموسم وعودة 1500 هكتار للإنتاج
ورغم ارتفاع التكاليف، قال خراجي إن الكميات الواردة إلى معصرته خلال الموسم الحالي أفضل من العام الماضي بنحو 40 بالمئة حتى الآن، على أن تتضح النتائج النهائية مع انتهاء الموسم.
وفي السياق، قال رئيس دائرة المكاتب المتخصصة في مديرية زراعة إدلب، أحمد المحمود، لـ”سوريا بلس” إن نحو 1500 هكتار عادت إلى دائرة الإنتاج بعد عام 2024، موزعة على مناطق إدلب ومعرة النعمان وخان شيخون وجسر الشغور وأريحا وسراقب.
وأوضح أن المحافظة تضم نحو 13 مليوناً و540 ألف شجرة زيتون، منها 11 مليوناً و742 ألف شجرة مثمرة، فيما يُقدر إنتاج الزيتون لعام 2026 بنحو 156 ألفاً و846 طناً.
وأضاف أن نحو 1.5 مليون شجرة تضررت خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن مديرية الزراعة وزعت 200 ألف غرسة خلال عام 2025، إلى جانب توجيه المنظمات لدعم المزارعين بالغراس ومستلزمات الإنتاج.
الزراعة: التسعيرة تراعي هامش ربح 20%
وفي مقابل شكاوى أصحاب المعاصر، قال المحمود إن اللجنة المشتركة المكلفة بالإشراف على المعاصر درست تكاليف التشغيل قبل اعتماد التسعيرة الرسمية.
وأوضح أن اللجنة، التي تضم ممثلين عن الزراعة والموارد المائية والصناعة والبيئة والتجارة الداخلية، التقت أصحاب المعاصر وحددت التكاليف الثابتة والمتغيرة.
وأضاف أن التسعيرة وُضعت مع احتساب هامش ربح يقارب 20 بالمئة لأصحاب المعاصر.
وفي الجانب الفني، أشار إلى متابعة التزام المعاصر بالمواصفة القياسية السورية رقم 4083 لعام 2023، بما يشمل شروط النظافة ودرجات حرارة العجن التي تتراوح بين 28 و32 درجة مئوية، ومدة العجن التي تتراوح بين 40 و60 دقيقة بحسب نضج الثمار.
كما تشمل المتابعة طرق التعامل مع مخلفات العصر والمياه الناتجة عنه للحد من آثارها البيئية.
رقابة يومية وثلاث مخالفات
من جانبه، قال معاون مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في إدلب، أسامة الكل، لـ”سوريا بلس” إن الدوريات الرقابية تتابع عمل المعاصر يومياً للتحقق من الالتزام بالتسعيرة الرسمية.
وأوضح أن الرقابة تشمل إعلان الأسعار داخل المعاصر، ومعايرة الموازين، وضمان حق المزارع في اختيار طريقة الدفع.
وأضاف أن الدوريات تسحب عينات من مخلفات العصر ومياه الفرز لفحص نسب الزيت المفقود خلال عمليات الاستخراج.
وبحسب الكل، سُحبت 15 عينة ونُظمت ثلاثة ضبوط بحق مخالفين منذ بداية الموسم، مشيراً إلى أن العقوبات تشمل الغرامات المالية والإغلاق لمدة تتراوح بين أسبوع و30 يوماً،
بحسب طبيعة المخالفة.
ومع استمرار موسم الزيتون في إدلب، يبقى المزارعون أمام تحدي تغطية تكاليف إعادة تأهيل الأراضي والإنتاج والعصر، في وقت تتباين فيه تقديرات الجهات الحكومية وأصحاب المعاصر بشأن الأرباح.
وبين تحسن الكميات المنتجة وارتفاع النفقات، ستحدد نتائج الموسم النهائية وأسعار بيع الزيت مقدار العائد الذي سيحصل عليه المزارعون بعد سنوات من تراجع الإنتاج.
