في بلدة جباتا الخشب بريف القنيطرة الشمالي، يمر موسم الزيتون هذا العام على أبو صدام من دون أن يتمكن من الوصول إلى أشجار أمضى سنوات في رعايتها. فقد جُرّف جزء من أرضه الزراعية، بينما باتت مساحات أخرى خارج متناوله، في ظل أعمال التحصين والتجريف التي تنفذها القوات الإسرائيلية قرب خط الفصل مع الجولان السوري المحتل.
أبو صدام يقول لـ”سوريا بلس” إن أعمال التجريف طالت نحو 13 دونماً من أرضه، كانت تضم قرابة 400 شجرة زيتون، وما بين 50 و60 شجرة كرز، ونحو 20 شجرة خوخ وخمس شجرات جوز.
وأضاف أن الأرض المتضررة أصبحت ضمن نطاق ما يُعرف بمشروع “سوفا 53” الإسرائيلي، الذي يتضمن شق طرق عسكرية وإقامة سواتر ترابية وخنادق على امتداد أجزاء من محافظة القنيطرة.
ولم تعد خسارة أبو صدام مقتصرة على الأشجار التي اقتُلعت، إذ يقول إن نحو 1500 دونم من الأراضي المزروعة بالزيتون والتفاح والكرز والرمان باتت خارج متناول أصحابها في المنطقة، ما يحرمهم من قطاف محاصيلهم والاستفادة من إنتاجها.
هذه الأراضي تعتبر مصدراً للدخل بالنسبة إلى عائلات تعتمد على الزراعة، فيما تتجاوز خسارة الأشجار المثمرة قيمة محصول واحد، نظراً إلى السنوات اللازمة لإعادة زراعتها ووصولها إلى مرحلة الإنتاج.
أرض جُرّفت وابن غائب
وإلى جانب خسارة الأرض، تعيش عائلة أبو صدام على وقع غياب ابنه صدام أحمد، الذي يقول والده إن القوات الإسرائيلية اعتقلته في 25 نيسان 2024، عندما كان يبلغ 17 عاماً، أثناء رعي الأغنام بين جباتا الخشب وقرية الحرية.
وبحسب رواية العائلة، لا يزال صدام محتجزاً، من دون معلومات واضحة عن موعد الإفراج عنه.
وبين خسارة الأرض وغياب الابن، تتداخل الأعباء الاقتصادية والإنسانية التي تواجهها الأسرة، في وقت تتواصل فيه القيود على حركة المزارعين ووصولهم إلى ممتلكاتهم.
مشروع عسكري يهدد آلاف الدونمات
ولا تقتصر الأضرار على أرض أبو صدام، إذ تشير تقديرات محلية نقلتها وكالة الأناضول التركية إلى تأثر نحو 12 ألف دونم من الأراضي الزراعية في شمال القنيطرة ووسطها بأعمال مشروع “سوفا 53” الإسرائيلي.
، إسرائيل بدأت تنفيذ المشروع منتصف عام 2022، انطلاقاً من محيط بلدة حضر شمالي القنيطرة، باتجاه جباتا الخشب والحميدية، مروراً بالقحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة، وصولاً إلى العشة جنوبي المحافظة.
ويشمل المشروع طريقاً عسكرياً بعرض يقارب ثمانية أمتار، وخنادق عميقة وسواتر ترابية يصل ارتفاع بعضها إلى خمسة أمتار، إضافة إلى نقاط مراقبة ومواقع عسكرية.
وتقول إسرائيل إن التحصينات تهدف إلى منع هجمات محتملة من مجموعات مسلحة مدعومة من إيران، بينما تعتبر دمشق استمرار الأعمال انتهاكاً لاتفاق فض الاشتباك المبرم عام 1974.
تجريف واقتلاع أشجار خلال تشرين الأول
وفي أحدث حصيلة شهرية، وثقت مديرية إعلام القنيطرة 125 توغلاً إسرائيلياً خلال تشرين الأول الماضي، إلى جانب إقامة 55 حاجزاً و60 حالة تحليق للطيران و25 حالة إطلاق قنابل مضيئة.
كما سجلت المديرية اقتلاع نحو 300 شجرة زيتون في صيد الحانوت وغرب مزرعة الحانوت، باستخدام آليات عسكرية، فضلاً عن استمرار أعمال التجريف في مناطق مرتبطة بمشروع “سوفا 53” وحرش جباتا الخشب وتلة الحميرية في طرنجة.
وفي 18 تشرين الأول، أفادت وكالة الأنباء السورية “سانا” بأن القوات الإسرائيلية جرفت نحو 13 دونماً مزروعة بأشجار الزيتون في منطقة الحانوت قرب قرية صيدا جنوبي القنيطرة، ومنعت المزارعين من الوصول إلى بقية حقولهم لجني المحصول.
وأضافت الوكالة أن أعمال التجريف استمرت في 25 تشرين الأول غربي مزرعة الحانوت، بهدف إنشاء ساتر ترابي عبر أراضٍ زراعية تعود ملكيتها للسكان.
وتزامنت هذه الأعمال مع توغلات إسرائيلية في ريف القنيطرة الشمالي، بينها إقامة حواجز مؤقتة على الطريق بين جباتا الخشب وعين البيضة وتفتيش المارة.
قيود على الزراعة والرعي ومصادر المياه
وامتدت الأضرار، وفق مديرية إعلام القنيطرة، إلى مصادر المياه والثروة الحيوانية، بعدما سجلت اعتداءات على مضخات مياه خاصة بالمزارعين في صيد الحانوت، واستهداف صهريج مياه تستخدمه المواشي أثناء الرعي في صيدا الجولان.
كما وثقت المديرية نفوق عدد من الأغنام إثر استهدافها من دورية إسرائيلية، وإغلاق مداخل وطرق زراعية بالسواتر الترابية، بينها مداخل بلدة حضر والطرق المؤدية إلى مزرعة الزعرورة.
وأفادت كذلك بتعرض أراضٍ زراعية لقصف مدفعي في كودنة وبريقة وتل أحمر الشرقي والصمدانية الشرقية وتلة الحميرية وحرش جباتا الخشب وحرش بئر عجم.
وتؤثر هذه الإجراءات على حركة المزارعين ورعاة المواشي وقدرتهم على الوصول إلى الأراضي والمراعي ومصادر المياه، في مناطق يعتمد جزء من سكانها على الزراعة وتربية الحيوانات لتأمين دخلهم.
ولم تتوافر حصيلة رسمية شاملة لقيمة الخسائر الاقتصادية أو عدد الأسر التي فقدت مصادر رزقها نتيجة الأعمال العسكرية والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي.
ماذا غيّر “سوفا 53” في القنيطرة؟
بدأ المشروع الإسرائيلي قبل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، لكنه شهد توسعاً في أعمال الحفر والتحصين بالتزامن مع انتشار القوات الإسرائيلية في منطقة الفصل ومواقع أخرى داخل الأراضي السورية.
المشروع لا يقتصر على شق طريق عسكري، بل يشمل إنشاء شبكة من الخنادق والسواتر التي تؤثر على الأراضي الزراعية والمراعي ومسارات تصريف مياه الأمطار.
وقال رئيس بلدية جباتا الخشب محمد مازن مريود، في تصريحات نقلتها وكالة الأناضوا، إن أعمال الحفر أدت إلى اضطراب مسارات المياه وتعرية التربة، ما انعكس على الأنشطة الزراعية والرعوية.
وفي تشرين الأول الماضي، استأنفت القوات الإسرائيلية أعمال الحفر والتجريف في مواقع جنوبي القنيطرة، وسط اعتراضات سورية رسمية ومطالبات بوقف المشروع.
وتؤكد دمشق أن هذه الأعمال تخالف اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، الذي ينظم وجود القوات في المنطقة الفاصلة بين سوريا وإسرائيل، وتطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية.
موسم ينتظره المزارعون ولا يصلون إليه
بالنسبة إلى مزارعي القنيطرة، لا تتوقف الخسائر عند المساحات التي جُرّفت، إذ تحول القيود المفروضة على الحركة دون الوصول إلى أراضٍ أخرى لم تتعرض للتدمير المباشر.
ومع حلول موسم الزيتون، يجد بعض أصحاب الأراضي أنفسهم عاجزين عن قطاف محاصيلهم، بينما تواجه العائلات التي فقدت أشجارها المثمرة احتمال انقطاع الإنتاج لسنوات قبل تعويض ما خسرته.
أما أبو صدام، فلا يزال ينتظر فرصة للوصول إلى ما تبقى من أرضه، بعدما فقد أشجاراً كان يعتمد على إنتاجها في إعالة أسرته.
وفي الوقت الذي يمر فيه موسم جديد من دون أن يتمكن من قطاف زيتونه، يبقى انتظار ابنه صدام أحمد حاضراً في حياة العائلة.
وبين أرض لم يعد يستطيع زراعتها وابن ينتظر عودته، تتجاوز خسائر أبو صدام حدود الموسم الزراعي، لتصبح جزءاً من واقع يومي يواجهه سكان القنيطرة مع استمرار التوغلات والأعمال العسكرية الإسرائيلية.