الأسد وخامنئي علاقة متجذرة منذ سنوات.. والثمن يدفعه السوريون والإيرانيون

توصف العلاقات الإيرانية السورية بـ “المتجذرة” أي أنها ليست وليدة السنوات القليلة الماضية التي بدأت مع التدخل الإيراني عسكريا بسوريا عقب إندلاع الثورة السورية عام 2011، بل هي علاقات يعود تاريخها إلى أكثر من 40 عام تقريبا، ومنذ ذلك الحين ترى إيران أن بقاء الأسد هو حماية رئيسية لمصالحها في المنطقة وخاصة سوريا وماحولها.

تحالف المصالح: من هنا كانت البداية

ففي العام 1979، وبعد قيام ماتسمى “الثورة الإيرانية”، وبعد انتهاء تحالف سوريا مع مصر بسبب اتفاق الأخيرة مع إسرائيل بمعاهدات فيما بينها، باتت أنظار الطرفين (سوريا وإيران) وتحديداً في عهد رأس النظام الأكبر حافظ الأسد وعهد آية الله الخميني)، موجهة إلى بعضهما البعض، خاصة بعد اعتراف الأسد في العام ذاته بـ “الجمهورية الإيرانية الإسلامية”.

فمن جهة رأى حافظ الأسد في إيران أنها “تمثل ثقلاً داعماً له في وجه خصومه الإقليمين”، ومن جهة رأى الخميني أن التحالف مع الأسد “يعتبر بوابة للشيعة الإيرانيين للتغلغل وأيضاً لزيادة نفوذهم جنوبي لبنان من بوابة سوريا”.

وكان الطرفان بمثابة حليفين قويين لبعضهما البعض، سواء خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات حيث وقف الأسد إلى جانب طهران في حربها تلك، أو خلال الحرب الأهلية اللبنانية في الفترة ذاتها أيضاً ووقوف الأسد إلى جانب إيران في دعم وتدريب وتنشئة ميليشا “حزب الله” في لبنان.

وفي هذا الجانب روى الباحث السياسي “عمر الحسون” لـ SY24، أنه “بعد وصول حافظ الأسد للسلطة مدعوماً إنكليزيًا على أساس بعثي عربي لم يكن الشعب السوري يعرف حقيقة انتماء حافظ الأسد إلى الطائفة الكاكائية التي تعتبر إحدى مذاهب المجوس، وفي الحقيقة التاريخية أنهم من الفرس أو من الأرمن، فقد أخفى الأسد الأب انتمائه الديني والعرقي وولائه الإيراني رغم الاعتراف الصريح الذي أدلى به أخيه جميل الأسد للرئيس العراقي الراحل جلال الطالباني”.

وتكرست حقيقة توجهات حافظ الأسد نحو إيران بعد وصول الخميني للسلطة وطرد شاه ايران الذي كان يتخلى عن كل الأحلام والمشاريع التي تزعزع أمن جيرانه حفاظا على ملكه، وكان للتقارب الأقوى للتحالف حينما وقف حافظ الأسد إلى جانب الخميني في حربه ضد العراق التي من المفترض أنها تحكم من قبل حزب البعث الذي انتمى إليه الأسد ويحكم سوريا باسمه.

ولم يقف التعاون بين الأسد والخميني في حربه ضد العراق بل لعب الأسد دورًا إلى جانب إيران في موضوع الحرب الأهلية اللبنانية التي استغلها الأسد مع إيران لتمكين الشيعة من الوصول للحكم وإلا تم على إثرها تحويل الجنوب اللبناني من بؤرة مقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي الى ساحة تصفية لخصوم اسرائيل في الشمال وهم الفلسطينيين، فتدخل الجيش السوري إلى جانب حركة أمل الشيعية التي تدعمها إيران، وقاموا بقصف مخيمي صبرا وشاتيلا وقتل أكثر من أربعين ألف فلسطيني، مما أجبر حركة فتح والمقاومة الفلسطينية على الانسحاب من جنوب لبنان.

ولم يكتفي الأسد بهذا بل قام مع الميليشيات الشيعية بطرد الأهالي اللبنانيين من الجنوب عبر ارتكاب المجازر بحق العرب السنة وجيرانهم المسيحيين، وتهجير آلاف الأسر من البلدات والقرى الجنوبية في لبنان، ونقل عشرة آلاف أسرة من إيران عبر مطار دمشق لتوطينها في جنوب لبنان بالاتفاق مع إسرائيل التي سمحت للجيش السوري بالدخول إلى جنوب لبنان وبموافقة من الإدارة الإمريكية، والتي أعرب عنها “اسحاق رابين” وزير دفاع اسرائيل في ذلك الوقت، والذي قال إن إسرائيل لا تجد مانعًا لدخول الجيش السوري إلى لبنان فإنه يهاجم الفلسطينيين، وتدخل إسرائيل لإخراجه من لبنان يعد بمثابة دعما للفلسطينيين لدرء الخطر السوري وإبعاده عنهم.

وأضاف “الحسون”، أن نظام الأسد تحالف مع ملالي إيران وفقاً للأهداف البريطانية التي جاءت بهم إلى المنطقة، والتي جعلت وستجعل منهم دائما حصنًا منيعًا يحمي إسرائيل من أهم أعدائها وهم العرب السنة الذين يشكلون خطرا على وجود إسرائيل.

لقد صرح “ايهود براك” لحيرزاليم بوسا في ذلك الوقت حينما كان رئيسا للمخابرات الإسرائيلية، أن وجود حركة أمل الشيعية التي مولتها وأسستها إيران الموجودة في جنوب لبنان بدعم سوري، هو ضرورة لمنع تواجد القوى اللبنانية العربية والفلسطينية التي تشكل خطراً على إسرائيل.

ويبقى الواضح للعلن وما تم كشفه بعد انطلاق الثورة السورية، أن تحالف حافظ الأسد وإيران هو تحالف مبارك دولي لقتل العرب السنة، إزالة أي خطر ممكن أن يؤثر على وجود إسرائيل في المنطقة.

اتفاقيات عنوانها “القبضة العسكرية”:

ومع تسلم رأس النظام بشار الأسد السلطة عام 2000، عمل على اتباع نهج أبيه حافظ الأسد وسياسته في التقرب وتوطيد العلاقات مع طهران بشكل كبير، وبات اعتماد الأسد بشكل كبير على إيران في مختلف المجالات وخاصة العسكرية منها، والتي بدأت في العامين 2006 و 2007 (في عهد الرئيس الإيراني أحمد نجاد)، من خلال توقيع اتفاقيات لما أسموه “التعاون العسكري” بحجة الوقوف بوجه التهديدات التي تشكلها إسرائيل وأمريكا، ومن أجل ذلك بدأت إيران ببيع المعدات العسكرية لسوريا.

ورغم كل ذلك إلا أن العام 2011، لم يكن عاماً سعيد الحظ لا بالنسبة لإيران ولا لحليفها الأسد، والذي كان عام انطلاقة الثورة السورية التي قلبت وغيرت الموازين الإيرانية في سوريا، ما جعلها تكثف من دعمها العسكري لقمع الثورة والثائرين، على الرغم من محاولتها نكران هذا الأمر بداية إلا أن تقارير عدة من سوريين معارضين وحتى تقارير غربية أكدت مشاركتها في الحرب إلى جانب نظام الأسد ضد السوريين.

ولعل اعتراف وزير دفاع نظام الأسد، العماد “علي أيوب” بمشاركة إيران وميليشاتها في الحرب ضد السوريين أكبر دليل على ذلك، حيث قال في 14 كانون الثاني/يناير 2020، إنه “تعرفت على قاسم سليماني في العام 2011، وكانت أول معركة خضناها وخططنا لها في العام 2011 في مدينة حمص وتحديدا في حي باباعمرو”.

وفي هذا الصدد قال مؤسس الجيش السوري الحر، العقيد “رياض الأسعد” لـ SY24، إن “العلاقة الإيرانية مع نظام الأسد ليست وليدة اللحظة وإنما يؤسس لها منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي على زمن المقبور حافظ، وتمت عدة اتفاقيات على كافة الأصعدة السياسية والعسكرية والاجتماعية والدينية، وبدأ النشاط الإيراني يزداد يوماً بعد يوم”.

وأضاف “الأسعد” أنه “على الصعيد العسكري تم فتح معسكرات خاصة في (الدريج) بتدريب ميليشيات حزب اللات وبعض الميليشيات الأخرى تحسبا استعدادا لمرحلة التي فيها الوقت لقتل وقمع الشعب السوري واللبناني، وكذلك تم التعاون العسكري بين إيران ونظام الأسد وخاصة بعد اغتصاب السلطة من قبل المجرم المعتوه بشار، حيث تمت اتفاقيات تعاون وتبادل خبرات واستيراد قطع تبديل، حاولت إيران صناعتها في مجال الطيران والصواريخ لإظهار أن إيران دولة تمتلك تكنولوجيا السلاح، وفي الحقيقة كانت فاشلة بامتياز لأن الصناعة كانت رديئة ومن أسوأ ما يمكن، وأدت إلى امتعاض قادة كبار في الجيش”.

وتابع “الأسعد” قائلاً: إن “نظام بشار ومخابراته أصرا على استمرار الصفقات الفاسدة وسرقة أموال الدولة السورية من قبل عصابة المخابرات المستفيدين ماليا، بغض النظر عن الضرر الفادح التي تسببت به تلك الصفقات من خسائر مادية وبشرية وخاصة على صعيد القوى الجوية”.

وأشار “الأسعد” إلى أن “هذا التعاون القائم على تمدد إيران في سورية وتحقيق مكاسب مادية لزعماء عصابات نظام بشار بقي متواصلا إلى أن أتت الثورة وكانت إيران جاهزة وعلى أهبة الاستعداد للتدخل بقتل الشعب السوري وارتكاب افظع المجازر بحقه، فكانت ميليشيات حزب اللات والميليشيات الأخرى بمسمياتها جاهزة للتدخل والانتقال من ساحات التدريب في مراكز تدريب القوات الخاصة والفرقة الرابعة والحرس الجمهوري إلى ساحات المدن والقرى السورية، لتقود المعركة ضد الشعب السوري الأعزل”.

فجرت تبعات كارثية على الشعب السوري، حسب “الأسعد”، من قتل وتهجير واعتقال وتعذيب واغتصاب وتقطيع أجساد الأطفال والنساء بالسكاكين وتدمير المدن والقرى وانتهاك المقدسات الدينية، ومحاولات لتغيير ديموغرافي وعقائدي، وكانت تبعاته على الشعب الإيراني زيادة تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة الجريمة والمخدرات، وانتشار الفساد، وزيادة تسلط الديكتاتورية الخامنئية.

وقال “الأسعد” إن “إيران أصبحت دولة محتلة لسوريا، وبنت عشرات القواعد العسكرية في سوريا، وتحول جزء كبير من عصابة بشار تابع لها يأتمر بأوامره، وازداد نفوذ الميليشيات عسكريا ومازالت تقتل الشعب السوري وتقود الكثير من المعارك ضده”.

أما القيادي في الجيش الحر، العقيد “محمد الأحمد”، فرأى أن “العلاقة بين النظامين بدأت مع عمالة الأسد الأب وارتباطه ارتباطا عضويا بالنظام الإيراني، وسماحة للإيرانيين بالتغلغل في سورية وامتلاك الأراضي والمنشآت فضلا عن الجنسيات الممنوحة لهم”.

وأضاف “الأحمد” في حديثه لـ SY24، أنه “لو نظرت إلى كل المسؤولين في حكومات الأسدين وبحثت عن انتمائهم لوجدتهم بين شيعي أصلي ومتشيع، وهم فقط من يدير دفة الحكم والإدارة في سورية والمرجعية في طهران، فدمشق الفيحاء محتلة قبل أن يتسلم هذا المعتوه الحكم ورفضه الانفصال عن النظام الإيراني حتى ولو كان ثمنه إعادة الجولان، ووقوف أبيه مع إيران في حربها مع العراق التي دامت 9 سنوات تقريباً”.

تعطيل الحلول السياسية:

سعت إيران جاهدة وعلى مدار سنوات الثورة الـ 9 ولا تزال، في تعويم الأسد ومحاولة إبقائه على كرسي السلطة أطول فترة ممكنة خدمة لمصالحها، وكانت تعمل على تعطيل أي محاولات لوقف الأعمال العسكرية والتوجه نحو الحلول السياسية، من خلال دفع نظام الأسد لارتكاب الانتهاكات والخروقات، وإجباره على تنفيذ إملاءاتها، وكان رأس النظام بالمقابل خادما مطيعا لها ولمشاريعها، الأمر الذي عطّل أي حل سياسي كونها زجت نفسها فيه من خلف الكواليس وكان من يفاوض ويتباحث بخصوص الملف السوري هي طهران وليس الأسد.

وفي هذا الصدد قال الناطق الرسمي باسم الهيئة العليا للمفاوضات السورية المعارضة، الدكتور “يحيى العريضي”، إنه “عندما قامت الثورة الإيرانية عام 1979 شعر حافظ الأسد بالإنفراج ووقف معها كليا وشعر بأنها تساعده ليكون له كيان قوي في المنطقة، في وجه صدام حسين وبالنسبة للخليج ومناطق أخرى، وعندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية وقف الأسد مع إيران”.

وأضاف “العريضي”، أن “حافظ الأسد في الوقت نفسه حافظ على علاقة متوازنة مع إيران ولم يسمح لإيرانيين بالدخول بشكل استراتيجي أو إيديولوجي أو أن يملوا على سوريا أي أمر لا يريده”.

وتابع “العريضي”، أن “تلك العلاقة استمرت بقوة فترة وجود حافظ الأسد في السلطة، وعندما أتى بشار الأسد شعر الإيرانيون بشيء من الانفراج تجاه العلاقة بحكم مخططهم الخبيث في المنطقة العربية ومساعيهم لنشر الثورة الإيرانية بالسيطرة على المحيط بشكل خبيث”.

وأضاف “العريضي” أنه “عندما انطلقت موجة الربيع العربي سمتها إيران من ناحية أنها ستخلخل في الأوضاع السلطوية الحاكمة، سمتها (انتفاضة إسلامية)، ولكنها مجرد أن قامت في سوريا اعتبرت أنها (مؤامرة)، وهذا فارق واضح بالنسبة للموقف الإيراني”.

وتابع “العريضي”، أن “إيران شعرت بالإنفراج وشعرت أن بشار الأسد و سوريا ككل ستقع في حضنها، وكان لها الأثر الكبير منذ البداية باستخدام العنف واستخدام القوة العسكرية في مواجهة صرخة الحرية في سوريا”.

وقال “العريضي”، إنه “لو عدنا قليلاً لفترة حافظ الأسد اللواء محمد ناصيف هو الذي كان المنسق للعلاقات مع إيران، وتمت من خلاله المحافظة على علاقة متوازنة، وفي عهد بشار الأسد وخاصة مع الانتفاضة، شعر الإيرانيون بأنه يجب أن يكون لهم اليد العليا، وفعلا تغلغلوا في كل شيء من خلال جلبهم للميليشيات القاتلة، ابتداء من حزب الله إلى الأفغان إلى الباكستانيين إلى كل أنواع الميليشيات، للوقوف إلى جانب منظومة الاستبداد”.

وأضاف “العريضي” أنه “يقال إنه كان لهم اليد العليا في نسف خلية الأزمة في سوريا، لأنها كانت تفكر تفكيرا آخر مختلف عن النهج الذي اتبع على صعيد عسكري”.

وأشار “العريضي”، إلى أن “إيران استمرت على هذا النحو و زجت بنفسها فيما سمي لاحقا بأستانة كضامن، لكنها قوبلت بالصد من عدة جهات ويراد إخراجها من سوريا، ولكن يبقى التغلغل الإيراني على صعيد إيديولوجي واجتماعي ومادي كبير في سوريا، وبخروجها من سوريا أعتقد أن منظومة الاستبداد ستكون ضعيفة جدا، والبدايات بدأت سلفاً”.

التغلغل الإيراني الاقتصادي:

ولم يكن الارتباط العضوي بين الأسد وإيران مجرد كلام في الهواء أو مجرد حبر على ورق، بل كان المخطط الذي تسعى إليه أبعد بكثير مما هو معمول به على أرض الواقع، ووجهت سهامها نحو الاستحواذ على الاقتصاد السوري، ولم تكتف بذلك بل وجهت أنظارها نحو موضوع التجارة والجانب التجاري ونحو موضوع المصارف، على أمل أن تقبض ثمن تمويلها للأسد والذي يقدر بملايين الدولارات، وبالفعل نجحت في ذلك خاصة وأن رأس النظام بشار الأسد أباح وأتاح لها كل ذلك، فاستحوذت على كل مفاصل الحياة الاقتصادية والتجارية في سوريا وما تزال.

وفي هذا الصدد قال رئيس “مجموعة عمل اقتصاد سوريا”، الدكتور “أسامة قاضي” لـ SY24، إن “العلاقات الاقتصادية الإيرانية السورية من حيث التبادل التجاري لم تصل في تاريخها إلى أكثر من نصف مليار دولار في أحسن أحوالها”.

وأضاف “قاضي” أن “العلاقة بدأت عام 1969 ببداية متواضعة، ولكن أولى الاتفاقيات الموقعة بين سوريا وإيران كانت عام 1974، ولكنها كانت بدايات خجولة ولم تتجاوز مع حاجتنا للنفط أحياناً إلى أكثر من نصف مليار بقليل، وأثناء الثورة السورية وصلت إلى 800 مليون دولار”.

وأشار “قاضي” إلى أن “البضائع الإيرانية لم تكن في تاريخ السوق السورية رائجة ومطلوبة على مدار العقود الخمس السابقة، وأكثر شيء تستورده سوريا من إيران له علاقة بالنفط وكانت سوريا بالمقابل تصدر الفوسفات لإيران وبعض البضائع السورية، وهي حقيقة واحدة من أضعف الأسواق للمنتجات السورية”.

وقال “قاضي” إنه “بعد عام 2011، المسألة تغيرت باتجاه ارتفاع مساهمة التصدير باتجاه الأسواق الإيرانية بسبب الحصار الاقتصادي المفروض على النظام السوري، وبسبب فقدان الأسواق العالمية والعربية، فكان التاجر أو المصنع السوري لا يوجد سوى إيران وبعض البلدان القريبة مثل العراق ولبنان كبديل له كسوق يستطيع بيع بضاعته فيها”.

وأضاف “قاضي” أن “ما تم استيراده من الإيرانيين هو النفط في حال استطاعت إيران أن توصل هذا النفط إلى سوريا، وقد نجحت في مرات كثيرة وأخفقت في أخرى بسبب الحصار الاقتصادي، ثم لم يكن هناك هذا الكم الهائل من التبادل التجاري والسلعي، لكن كان هناك خطوط ائتمان إيرانية لسوريا تستفيد منها من أجل شراء النفط وشراء بعض المسائل الضرورية الأخرى”.

وتابع “قاضي” قائلاً: إن “الإيرانيين ألزموا النظام السوري بتوقيع عقود أقرب ما تكون إلى عقود الإذعان، وفي مرة واحدة وقعت 17 اتفاقية مع حكومة النظام، من المشغل الخليوي إلى فتح مصرف إيراني في سوريا من أجل التبادل التجاري بالعملات المحلية لتجاوز العقوبات وغيرها”.

ولفت “قاضي” إلى أن “الاقتصاد الإيراني الآن هو في أسوأ أحواله، وكان ولايزال في ضائقة شديدة وهي تزداد، والانتفاضات المطلبية للشعب الإيراني تظهر بين الحين والآخر ومنشأ معظمها اقتصادي، لأن نسب البطالة كبيرة جداً ونسب التضخم هائلة جداً وانخفاض العملة الإيرانية هائل جداً، والموارد الاقتصادية الإيرانية تنضب شيئا فشيئا، والحالة الاقتصادية الإيرانية في أسوأ أحوالها بسبب الحصار الخانق على إيران، ومن هنا لا يمكن التعويل على التبادل التجاري الإيراني السوري”.

ورأى “قاضي” أن “إيران وبسبب خوضها ودخولها الصراع في سوريا إلى جانب النظام، ألزمت النظام مالياً وارتفعت ديونه تجاه الإيرانيين، مما أجبره على توقيع اتفاقيات كثيرة، ولم يكن آخرها التعليم والمناهج بحيث تكون إيرانية وتحت إشراف إيراني وفتح جامعات إيرانية، من أجل استكمال المشروع الأيديولوجي الإيراني”.

وختم “قاضي” بالقول: إن “البلدين في ضائقة اقتصادية ولم تحتاج سوريا من إيران عمليا سوى للنفط ومقابل ذلك كانت تصدر بعض السلع، ولا أعتقد غير سلعة النفط من الممكن أن يكون لها وزن في التبادل التجاري الإيراني السوري، وما تبقى هو عبارة عن ديون وضعتها إيران على كاهل الخزينة السورية، مقابل دخولها إلى جانب النظام منذ عام 2011 بشكل عسكري كبير، وتقديرات تقول وليست رسمية أن الديون تقدر بـ 30 مليار دولار تقريباً”.

الشعب الإيراني لنظامه: اترك سوريا وفكر فينا

ومع توغل إيران أكثر وأكثر في مختلف مفاصل المجتمع السوري عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحتى دينياً ومذهبياً، متجاهلة الأوضاع المتردية لمواطنيها، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي جداً على الشعب الإيراني، إلى أن بدأت الأصوات تتعالى مطالبة نظام الملالي في طهران بالتوقف عن دعم نظام الأسد وتأجيج الحرب الدائرة في سوريا.

وحول ذلك قال المعارض الإيراني “علي رضا” لـ SY24، إن “الشعب الإيراني هو ضد فكرة تصدير الثورة والتدخل في سوريا تحديداً، ومن شعارات المظاهرات الإيرانية في الأعوام الأخيرة هي (اترك سوريا وفكر فينا)، بمعنى رفض شعبي للتدخل في الشأن السوري وصرف أموال وثروات الشعب الإيراني في سوريا”.

وأضاف “رضا” أن “الشارع الإيراني ضاق ذرعاً صرف الأموال الهائلة في سوريا والعراق ولبنان واليمن، فيما يعاني الشعب الإيراني نفسه من الفقر والويلات”.

وأشار “رضا ” إلى أنه “تزامناً مع التدخل الإيراني في سوريا بنيت علاقات وطيدة بين المعارضين الإيرانيين والثوار في سوريا، فمنذ اندلاع الثورة السورية بدأت المعارضتين التنسيق وتنظيم المظاهرات في أوروبا وأمريكا ومن أبرزها هي المظاهرات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2012.

 

كما والتقى قادة المعارضة بعضها ببعض في أكثر من مناسبة، كما ونظم حملات مشتركة على شبكات التواصل الاجتماعي وتعليم الثوار الميدانيين والعوائل المدنيين استخدام شبكات التواصل للحديث المباشر والتنسيق مع وسائل الإعلام الغربية، لتغطية الجرائم التي يرتكبها الحرس الثوري الإيراني في سوريا.

ومن ضمن هذه الأنشطة هو التنسيق وترجمة وتبادل المعلومات عن نشاطات الحرس الثوري، وفضح جرائم الحرس الثوري في حلب والغوطة الشرقية وإدلب وغيرها من مدن.

وختم “رضا” بالقول: إنه “رغم التدخل الايراني في سوريا فأنا على يقين بأن العلاقات بين الشعبين الإيراني والسوري علاقات طيبة، لاننا كلنا نعاني الأنظمة الدكتاتورية التي فرضت علينا، فقضيتنا واحدة وعدونا واحد وإن النصر قريب بإذن الله”.

المقاومة الإيرانية: 100 مليار دولار كلفة دعم إيران للأسد

وقدرت المقاومة الإيرانية والخبراء الدّوليون، حسب تقييمات تابعة لها، وحسب ما وصل من وثائق لـ SY24، من مصادر في المقاومة الإيرانية، أن المرشد الأعلى علي خامنئي أنفق ما يقارب 15 إلى 20 مليار دولارا في السنة في سوريا خلال السنوات الست الماضية، وأن التدخل الكارثي في سوريا وحده كلّف الشعب الإيراني ما لا يقل عن 100 مليار دولار في الفترة الممتدة من عام 2011 إلى نهاية 2017.

وفي 17 أيلول/سبتمبر 2017، قال رئيس لجنة إمداد الإمام الخميني الخيرية (لجنة معونة)، برويز فتاح القره باغي، إن عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر المطلق في إيران يتراوح بين 16 إلى 20 مليون شخص، وبافتراض أن هؤلاء الأشخاص يتقاضون مرتبا يناهز 70 دولارا في الشهر فإنه يتعين على النظام أن يؤمّن 1.4 مليار دولار شهريا أي 17 مليار دولار سنويا، وهذا يعني أن المبلغ الذي ينفقه النظام في سوريا وحدها (وليس التكلفة الكاملة لإثارة الحرب والقمع وهي أكبر بعدّة مرات) كان يمكن إعادة تخصيصه لدفع الرواتب الشهرية لما يقارب 20 مليون فقير في إيران.

لهذا السبب فإنّه خلال الإنتفاضة الأخيرة في مختلف المدن الإيرانية، ردد المحتجون شعارات مثل “اتركوا سوريا، وفكروا بنا”، و”لا غزة ولا لبنان، أفدي روحي لإيران”، كما استهدفوا النظام بأكمله مطالبين بالإطاحة به بترديد “الموت لخامنئي” و “خامنئي عار عليك، اترك البلاد”، فهم يدركون أن السبيل الوحيد للحصول على حقوق الشعب الإيراني هو الإطاحة بنظام الملالي برمّته.

وأشارت المقاومة الإيرانية، إلى أن “أي صفقات مع النظام الإيراني ستعزّز دكتاتورية ولاية الفقيه وكيانها المسلّح، وهو ما يؤدي إلى تصعيد قمع الانتفاضات الشعبية الايرانية وقتل الشعوب في جميع أنحاء المنطقة”، وأنه “للقضاء على آلة الدكتاتورية للحرب والقمع، يجب فرض جزاءات دولية على جميع المسؤولين في النظام وقوات الحرس الثوري الإيراني، ومجموعة المنظمات والمؤسسات الاقتصادية الموجودة في مدار نفوذهم”.