السرديات المتناقضة وسوتشي الخيبة

يحيى العريضي
يحيى العريضي

من الاتحاد السوفييتي إلى روسيا الاتحادية، لا يلحظ المرء تغيّراً سياسياً جوهرياً في مقاربة تلك البلاد وسياسيها للقضايا الداخلية والخارجية. تدّعي تلك البلاد اليوم انتقالها إلى رحاب الديمقراطية؛ لكن الواقع يقول إنه كما كانت الدكتاتورية نهجاً في السابق هي اليوم ممارسة مغلَّفةً بمجلس للدمى، وإعلام يقول كل شيء يخرج من رئتي الرئيس فلاديمير بوتين ومن يعمل عنده؛ فمن يقول له لا، لا يختلف مصيره عمّن يقول لا، لبشار الأسد أو لدكتاتور كوريا الشمالية.

تصوير روسيا بوتين وماكينتها الإعلامية الموقف الروسي سلطوياً وشعبياً تجاه ما يحدث في سورية نسخة عن تصويره من سياسيي بشار الأسد ومخابراته وشبيحة منظومته، فبالنسبة لآلة إعلام بوتين والجهات الروسية المسؤولة عن السياسة والدعاية والرأي، كما يُرى ويسمع في تصريحاتهم؛ وعبر من تقابله من المسؤولين الروس؛ حيث تم الوقوف على هذه الحقائق في زيارة الهيئة السورية للتفاوض موسكو، ولقائها مع مسؤولين روس: “نظام بشار الأسد شرعي”، يقاوم الإرهاب والمؤامرة الأميركية، ولا بديل له، ومصير سورية كمصير ليبيا والعراق إن نجح المخطط الأميركي والسعودي، و”روسيا تقاتل الإرهاب في سورية، وتحديداً داعش”، و”تساعد الشرعية، ولا تقبل أن يتدخل الخارج في الشؤون السورية، لأن نية الخارج استعمارية تقسيمية تدميرية تستهدف الشرعية؛ وروسيا تقاوم ذلك كله”، و”إيران وحزب الله يحافظان على سورية ويقاومان الإرهاب كذلك”، و”الفيتو الذي استخدمته روسيا 11 مرة في مجلس الأمن، لم يكن إلا لإحباط المخططات الإمبريالية للتدخل في الشؤون السورية واستهداف شرعية حكومة الجمهورية العربية السورية”.

أما المعارضة بالنسبة لهم، فإن لم تكن “مجموعات إرهابية” فهي “عناصر مشتتة من الخونة، وأدواتٌ تشغلها قوى خارجية في مقدمتها أميركا والسعودية”، وهي “معارضات”. وروسيا أخيراً ساعدت السعودية في جمعها في الرياض بوفد “واحد غير موحد” (عبارة قدري جميل ذاتها). أما الشعب السوري؛ فروسيا هي التي “تساعده بتخليصه من الإرهاب، وتقدّم له الإغاثة، وتجري المصالحات بينه وبين بعضه؛ وهي التي عقدت له أخيرا مؤتمراً سورياً وطنياً، وعلى حسابها الخاص”.

وقبل الدخول في بعض تفاصيل حدث هذا المؤتمر، لا بد من الوقوف على سردية تتناقض تماماً مع رؤية الروس والنظام لمجمل الصراع في سورية، والتي لا ترى في الوجود الروسي في سورية إلا احتلالاً؛ ولا ترى في إعلان بوتين تجربته مئات أصناف السلاح في الساحة السورية وعليها إلا تصرفاً إجراماً ومحتقرا لسورية وشعبها، وترى أن استهداف روسيا الإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لم يزد عن 3% من حمم النار التي أسقطتها على سورية؛ وأن النسبة الباقية كانت على مدنيين سوريين، من جديدها في إدلب؛ وهي “منطقة خفض تصعيد”. وأن محادثات آستانة أثبتت أنها إجهاضٌ لـ “وقف إطلاق النار”، واجتزاءٌ له في “مناطق خفض تصعيد”، تخترقه منظومة الأسد وإيران وروسيا “الراعي” يومياً؛ وإن 11 فيتو لبوتين في مجلس الأمن لم تكن إلا لحماية إجرام النظام.

كما أنها متيقنة من أن استعجال بوتين “نصره” العسكري واستنفاره لتحقيق منجز سياسي نابع من ضغط الوقت عليه، كي يقدّم ورقة إنجازٍ للروس وللعالم، قبيل العملية الانتخابية الرئاسية الروسية في مارس/ آذار المقبل؛ حيث كان يحلم بصورة لـ 1700 سوري في “حوار وطني”، ينقلها إلى مجلس الأمن، لتكون صورته صانعا للسلام عبر الحوار؛ ولكن سرعان ما تكشف للعالم زيف ذلك الكرنفال وخلبيّته.

وبالعودة إلى هذا العمل “الخيري”، مؤتمر الحوار الوطني السوري، الذي جاء بعد أن كان اسمه، حسب بوتين، مؤتمر الشعوب السورية، الاسم الذي لقي انتقاداً هائلاً (حتى ممن يشبهون المنظومة البوتينية من شبيحة الأسد). وبعد تغيير اسمه ومكانه إلى حميميم؛ ليتبيّن أن عقده في قاعدة عسكرية روسية على الأرض السورية غير مناسب أو لائق؛ وبعد أن نُصِح بوتين بانتقاء هذا الاسم الجذّاب، مؤتمر الحوار الوطني السوري، واختيار مكان جذّاب، مدينة سوتشي السياحية، بعد ذلك كله؛ يتبيّن للروس أن مخابرات منظومة الأسد وإيران أرسلت 1200 شخص لا يستطيع بوتين أن يقنع حتى كلبه بأنهم يمثلون الشعب السوري، كما اشتهى وأعلن.

وهنا سعى طاقمه إلى الحفاظ على بعض ماء الوجه، في مؤتمره سيئ الطالع، فيخرجون بـ “لجنة دستورية”، تضم أكثر من 160 عضوا؛ ويضطرون إلى رميها بين يدي المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، ليفعل بها ما يريد؛ ويتعهدون بأن كل ما جرى في عهدة الأمم المتحدة، باعتبارها مقرّرا وراعيا للقرارات الدولية التي طالما سعوا (طاقم بوتين) إلى تعطيلها، عبر نظام يحمونه ويفلتونه كي يعرقل تلك القرارات.
ولكن ذلك الطاقم يتعهد بأن يمارس الضغط الكافي على النظام، لكي ينخرط بالعملية السياسية في جنيف التي ستكون امتحان جديتهم بإيجاد حل سياسي للمسألة السورية، كما يعلن رئيسهم.
غير معروف إن كان الرئيس بوتين قد تيقّن أن من ساهم بإفشال مخططه ليس فقط استعجاله “النصر”، ومحاولته دمل جرحٍ على ألم، بل أولئك الذين اختاروا، ودفعوا له ب 1200 مخلوق ساهموا بخيبة حلمه.

في هذا السياق، نشر كاتب هذه السطور في “العربي الجديد” بتاريخ 8/1/2018، مقالا بعنوان “كأن بوتين يقول: ليت سوتشي لم يكن”؛ وربما هنا كان حدسه صحيحا. والآن، علَّ ذلك ومئات التكتيكات والأفعال التي قامت بها عصابة دمشق من عرقلةٍ لأي حل سياسي، تجد طريقها إلى ذهن بوتين، فيخطو الخطوة التي طال انتظارها في الضغط على تلك العصابة، ويدفعها باتجاه انخراط حقيقي في العملية السياسية. ومؤكّدٌ أنه يستطيع إن أراد؛ فشواهد شحنه رأس تلك المنظومة حيث يشاء، ومتى يشاء، موجودة.

ولكن يبقى على أي حال أمل بوتين بأن يبيع تلك الورقة بسعرٍ لا بأس به؛ لكن مصيره أن يتأكد من أن تلك الورقة تتحول إلى عبء عليه يوماً بعد يوم.