النظام يفتح طرقات داريا الخالية من أهلها.. ما مصلحة إيران؟

 

 

تطورات متلاحقة تشهدها مدينة “داريا” بريف دمشق الغربي، عنوانها الأبرز فتح الطريق الرئيسي الواصل إلى مدخل المدينة من جهة المتحلق الجنوبي والبدء بإزالة السواتر الترابية، في خطوة تثير الكثير من التساؤلات حول هدف نظام الأسد من ذلك وما مصلحة الحلفاء الداعمين له وخاصة “إيران” من تلك الخطوة، بالتزامن مع جولة لضباط روس في المدينة.

وكان رئيس مجلس مدينة داريا في ريف دمشق “مروان عبيد” كشف في تصريحات إعلامية لمواقع موالية للنظام: “أنه يتم العمل على إعادة تأهيل وفتح الطريق الممتد من شمال داريا باتجاه الجديدة إلى جنوبها باتجاه المتحلق وأنه تم البدء بإزالة السواتر الترابية من جهة المتحلق الجنوبي”.

في حين، نقلت مصادر إعلامية عن مجلس محافظة دمشق، أنه تم فتح الطريق الرئيسي لمدينة “داريا” في ريف دمشق، وإزالة السواتر الترابية المنتشرة فيه، بعد إغلاق دام لأكثر من 6 سنوات، مع استمرار منع عودة سكان المدينة إليها.

وأفادت ذات المصادر، أن عملية فتح الطريق تمت من منطقة “المدخل” على المتحلق الجنوبي إلى “دوار الباسل” داخل المدينة، بالتزامن مع إطلاق وعود من قبل مسؤولين لدى النظام، بفتح باقي الطرقات في وقت قريب.

بدوره، أكد المكتب التنفيذي لبلدية داريا عبر صفحته الرسمية على الفيس بوك، قبل عدة أيام، أنه تم البدء بإزالة السواتر الترابية من مدخل داريا على المحلق الجنوبي.

وشهدت مدينة داريا أشرس حملة عسكرية شنتها قوات النظام والميليشيات الشيعية المساندة لها منذ العام 2012، بعد حصار استمر لأربع سنوات، إلى حين أن توصلت فصائل المعارضة مع جيش النظام إلى اتفاق يقضي بإخلاء المدينة بشكل كامل وتهجير سكانها نحو الشمال السوري.

وتحوي المدينة على “مقام ديني” تزعم إيران أنه يعود للسيدة “سكينة بنت الحسين” تم بناؤه عام 2013، بحسب مصادر مطلعة، في حين يشير سكان المدينة إلى أن القبر الذي أشيد عليه البناء بأيادي إيرانية يعود لامرأة كانت تسكن في المنطقة البعيدة عن المدينة، ومنهم من ذكر أن القبر يعود لرجل من سكان المدينة توفي منذ زمن بعيد في تلك المنطقة النائية، إلا أن إيران عملت على ترميم البناء القديم واتخاذه كمقام تحت مسمى ديني وطائفي.

الإيرانيون يترقبون والروس يتجولون

ومع انتهاء المعارك في داريا واستعادة النظام وميليشياته السيطرة عليها في العام 2016، إلا أن الطريق المؤدي إليها بقي مغلقا وتمنع قوات النظام الأهالي من العودة إليها، إلى أن جاء القرار الأن بفتح الطريق، في خطوة اعتبرها مراقبون أنها لتسهيل مرور الإيرانيين على حساب الأهالي المهجرين من مدينتهم.

“أبو معاوية الدمشقي” أحد سكان الغوطة الغربية قال لسوريا 24: إنه تم فتح الطريق دون السماح للأهالي بالعودة، وهذا الأمر يعطي تفسيرات عدة أبرزها أن إيران تحتاج هذا الطريق لوجود مرقد “سكينة” الذي يعتبر مقدس بالنسبة للشيعة، ومن المحتمل أن يتم السماح لأفواج الحجاج “المحتلين” الإيرانيين بدخول المدينة بعد هذا الفتح، على حد وصفه.

وأضاف، أنه تم شراء مساحات واسعة من قبل الشيعة في محيط المقام المزعوم، وبالتالي كل هذه المعطيات تعطي اشارات بأن إيران تحاول بسط سيطرتها على واحدة من أهم المدن في محيط العاصمة عبر المد الشيعي وعبر نفوذها على النظام.

لكن “الدمشقي” لفت الانتباه إلى نقطة هامة وهي زيارة الروس للمدينة في هذا التوقيت بالذات وهو بدء عمليات فتح الطريق وإزالة الأنقاض والسواتر الترابية وقال: الأمر الملفت هو زيارة ضباط روس، قبل أيام، إلى المدينة بعد فتح الطريق، في إشارة للإيرانيين بأن هذه المنطقة لن تكون سهلة المنال بالنسبة لهم وعليهم الرجوع إليها قبل كل شيء.

وتأكيدًا لما جاء به “الدمشقي” حول زيارة الروس، نشر المكتب التنفيذي لبلدية داريا على صفحته في الفيس بوك، الخميس، صورًا تظهر جنودًا روس يتجولون في المدينة وعلق بالقول: “بتوجيه من السيد محافظ ريف دمشق، زار مدينة داريا اليوم وفد من مركز المصالحة الروسي وقاموا بجولة في داريا للوقوف على أهم الاحتياجات وتقديمها للمدينة حسب الامكانيات” على حد زعمه.

طريق داريا.. ممرّ لدعم القوات الإيرانية

ويرى مراقبون أن فتح طريق داريا جاء متأخرًا نوعًا ما بعد سيطرة قوات النظام على مناطق الغوطة الغربية والشرقية وعلى مدينة داريا تحديدًا، لافتين إلى أن فتح هذا الطريق يعد بمثابة ممر لوصول القوات والإمدادات للميليشيات الشيعية المساندة بشكل ميسّر إلى الغوطة وإلى مناطق دمشق وريفها.

وفي هذا الصدد قال الباحث الاقتصادي الدكتور “فراس شعبو”: إن إيران تسعى لدعم قواتها وإرسال تعزيزات لها من خلال تأمين خطوط إيصالٍ سليمة وآمنة وسريعة، وكما نعلم فإن ميلشيات إيرانية تتمركز في جنوب سوريا وفي منطقة دمشق وريفها بشكل رئيس، لذلك فإن إيران تسعى لتسهيل عملية التنقل ما بين هذه المناطق لقواتها.

وتابع في حديثه لسوريا 24: إنه من المحتمل أن تسعى إيران في وقت لاحق وفي حال كان هناك فتح جبهات جديدة أو أيّ أمرٍ مفاجئ ضدها، إلى الاستفادة من هذا الطريق ليتسنى لها إيصال الإمدادات من الغوطة أو من دمشق إلى تلك المناطق بسرعة كبيرة.

وتتمركز “الفرقة الرابعة” التابعة لجيش النظام في دمشق وريفها، وتعرف بولائها الشديد لإيران إضافة لوجود الميليشيات، وبالتالي فتح هذا الطريق سيسهل عملية التنقل ما بين تلك الميليشيات وعناصر الفرقة الرابعة.

كما أن إيران عندما تساهم في فتح طريق داريا، فإنها تسعى لإرسال رسائل قد تكون سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، على حد تعبير “شعبو”.

مخططات هندسية بأذرع إيرانية

مراقبون آخرون، اعتبروا أن نظام الأسد بدأ مؤخرًا بالإعلان عن مخططات تنظيمية وتلك المخططات حصلت عليها شركات مدنية وشركات قابضة تتبع لرجال أعمال، وبالتالي عودة المدنيين لبلدهم مع وجود منطقة عسكرية سيثير الكثير من التساؤلات، أما اليوم بإزالة تلك الحواجز وفتح الطرق تصبح الحركة أسهل، ويصبح النظام قادرًا على تحديد ماذا يريد بالضبط من منطقة داريا وغيرها من المناطق.

المستشار الاقتصادي “يونس الكريم” رأى أن هناك ضغوطًا كبيرة من الإيرانيين وسط رغبتهم في تطوير المنطقة المحيطة بمقام السيدة “سكينة”، وهذا الأمر سوف يتطلب دخول مدنيين وزوار من العراقيين والإيرانيين، وبالتالي ومع وجود حواجز عسكرية والسماح لمجموعة بالدخول من دون أخرى فإن ذلك سيسلط الضوء على النظام وميليشياته ويضعه أمام مشاكل هو في غنى عنها أمام حاضنته الشعبية.

وأضاف في حديثه لسوريا 24، أن إيران بدأت تخسر الكثير من المشاريع التي عهدت لها في وقت سابق قبل أن يتم نزعها منها واعطاؤها للروس، لذا فإن إيران تسعى لاستراتيجية أخرى وهي توطين الحاضنة الايديولوجية لها خاصة في قلب دمشق والتي هي من الشيعة الموالين لها، بحيث يخلقون أحياء ومدن تتبع لإيران كمدينة “الصدر” ومدينة “الحكيم” في العراق على سبيل المثال، وسيكون ولائهم لإيران في العاصمة دمشق التي هي قلب القرار السياسي، ما سيشكل ضغطا على نظام الأسد.

وذكر “الكريم” أنه وفي العام 2010 اطلع على مخططات هندسية كانت بحوزة رجل أعمال يدعى “أبو طلال” والذي كانت له علاقات مع الإيرانيين، إضافة لمشاهدة ذات المخططات عام 2012 في مكتب “رامي مخلوف” الداعم الرئيس لرأس النظام بشار الأسد، والتي تتحدث عن مخطط تنظيم مناطق كفرسوسة وداريا والمزة.

وكانت تلك المخططات عبارة عن مشروع ضخم جدا واستثماري من الطراز الأول، وكان للإيرانيين فيها أملاك ومقاسم وأراضي، ورغم أنها ليست كثيرة إلا أنها تطورت مع سنوات الثورة، يقول “الكريم”، لافتًا في الوقت ذاته، إلى أن الإيرانيين ليس همهم الحرب والإيديولوجية فحسب، بل يسعون للربح والمشاريع الاستثمارية أيضا، ومع تطور وتأزم العلاقات ما بين تيارات في النظام وبين إيران وما بين إيران وروسيا، فإن إيران تريد إقامة المرجعيات الدينية كورقة ضغط وحماية لاستثماراتهم.