بعد أن شاركت ميليشياتها بقوة في معارك الريف.. ما الذي تريده إيران من حلب؟

ما إن أعلن أن مدينة حلب وما حولها باتت خالية من “المسلحين” على حد وصف حكومة نظام الأسد وداعميه، عقب المعارك العسكرية وبضوء أخضر روسي والتي أدت لسيطرة قوات الأسد على كامل ريف حلب الغربي، حتى سارعت إيران لاغتنام الفرص من أجل أن يكون لها موطئ قادم بارز في حلب.

وعلى الفور أوفدت طهران رئيس مجلس الشورى الإيراني المدعو “علي لاريجاني” للاجتماع مع رأس النظام بشار الأسد وحكومته، من أجل إملاء الأوامر عليهم وتوجيههم لتنفيذ المخطط الإيراني القادم باتجاه حلب وريفها.

وزعم “لاريجاني” أن زيارته العاجلة لدمشق ولقاء رأس النظام ومسؤوليه بحجة “إجراء مشاورات مهمة حول قضايا تهم السوريين حسب الظروف والمستجدات وتطوير العلاقات الثنائية”، كما زعم أن “التطورات الراهنة في المنطقة تتطلب مشاورات وثيقة بين الدول ومنها سوريا وأن زيارته ذات طابع برلماني من جهة وتشمل محادثات مختلفة حول القضايا المهمة في المنطقة”.

وبالتزامن مع توجيه إيران أنظارها نحو حلب المدينة وريفها، يطفو على السطح السؤال الأبرز وهو مالذي تريده إيران من حلب، وهي التي زجت ميليشياتها بقوة في معارك ريف حلب الغربي والشمالي؟ إذ ادعت حكومة نظام الأسد أنه “كما كان للأشقاء في إيران دور في مؤازرة سورية ودعمها خلال الحرب الظالمة عليها، سيكون لهم دور كبير في مرحلة إعادة الإعمار”.

وتعليقا على ذلك قال الباحث في الشأن الإيراني النقيب “ضياء قدور” لـ SY24، إنه “على الرغم من النظام الإيراني تجنب دعم نظام بشار الأسد  في الحملات السابقة في شمال غرب البلاد، إلا أن قرار إيران دعم قوات الأسد في العملية الأخيرة يعد تطورا مهما، ويبدو أن القرار مرتبط باغتيال المجرم قاسم سليماني، فتصفية سليماني، الذي يعد المخطط الرئيسي للعمق الاستراتيجي الإيراني في المنطقة، أثار تكهنات حول خسارة إيران تأثيرها في سوريا وفي المنطقة ككل، أي أن التدخل الإيراني في إدلب وأرياف حلب يعد محاولة إيرانية لإرسال رسالة لمنافسيها بأن قوتها وتأثيرها في سوريا لم يتغيرا، وفي الوقت ذاته طمأنة للأسد بأنه يستطيع التعويل على حماية طهران وطلب المساعدة منها متى يريد”.

وأضاف “قدور”، أن “زيارة لاريجاني لسوريا تأتي في سياق طمأنة نظام الأسد بأنه يستطيع التعويل على حماية طهران وطلب المساعدة منها متى يريد، أما بالنسبة لحديثه عن تعزيز التعاون الاقتصادي بين طهران ودمشق، فهو تذكير لنظام الأسد بالجهود المبذولة والتكاليف التي أنفقتها طهران لحماية نظامه، وهذا ما صدر على لسان العديد من المسؤولين الإيرانيين في مجلس الشورى الإيراني سابقا، بأنهم يريدون أن يتم تعويض بلادهم عن الأموال التي أنفقتها في سبيل حماية نظام الأسد”.

وتابع “قدور” قائلاً: إن “ما يؤكد ذلك هو حديث لاريجاني المتكرر عن موضوع التعاون الاقتصادي، وذلك عندما زار وفد من شيوخ العشائر السورية طهران؛ وتطرق لاريجاني للإشارة لموضوع النفط السوري ووضع الولايات المتحدة يدها عليه واتهامه لها بالسرقة”.

ورأى “قدور” أنه “على الرغم من أن الاستراتيجية الإيرانية في سوريا تتركز على نشر التشيع والتغيير الديمغرافي في أغلب المناطق التي سيطرت عليها ايران، إلا أن الضغوطات الاقتصادية التي تواجهها إيران خاصة بعد فرض العقوبات الأمريكية المميتة وانخفاض معدل إنتاج النفط الإيراني، دفع العديد من الأصوات في داخل حكومة طهران للارتفاع ومطالبة نظام الأسد بحصة إيران من الكعكة السورية، لدرجة إن بعض المسؤولين الإيرانيين يتخوفون من غدر نظام الأسد بهم وانحيازه للروس بشكل كامل، وبالتالي إخراج إيران من المولد بلا حمص كما يقول المثل الشعبي”.

وأشار “قدور” إلى أن “مطالبات مسؤولي النظام الإيراني المتكررة بتعزيز التعاون الاقتصادي مع نظام الأسد المنهار اقتصاديا أساسا، ما هي إلا رسائل تذكير وصلت لحد الإلحاح بتقديم حصة إيران ومكافئتها على جهودها في حفظ نظام الأسد”.

ويرى مراقبون أنه على اعتبار أن حلب كانت تعد بوابة اقتصادية مهمة لسوريا، فإن إيران تحاول الاستفادة من هذه المنطقة الاستراتيجية على حساب نظام الأسد والسوريين.

وفي هذا الجانب قال “قدور”، إن “الأمر ليس مقتصر على حلب وأريافها، بالنسبة لموضوع تقاسم الكعكة السورية، على الرغم من أن السيطرة على طريقي( m4 m5)، سيساهم في فتح الطرق الدولية لنظام الأسد أمام التجارة الدولية”.

وأضاف أن “كل ما هو موجود على الأرض السورية من ثروات سيقدمه نظام الأسد للاحتلالين الروسي والإيراني كعربون شكر وامتنان عن دعمهم له في قتل الشعب السوري وتشريده وابقائه على كرسي الحكم، لكن طهران اليوم تنفرد بسطوتها على حلب، وتتبع سياسة القوة الناعمة لدعم نفوذها في المدينة ذات الغالبية السنية، من أجل تغيير بنيتها السكانية وفق رغباتها، على عكس روسيا التي تبحث عن مصالح اقتصادية”.

وعلى الرغم من أن سياسة “ترحيل الخلافات” هي السياسة التي تنتهجها حاليا المليشيات الإيرانية والروسية في سوريا إلى حين انتهاء الحملة العسكرية التي يشنها النظام وحلفاؤه على الشمال السوري، لكن أي سبب ما في وقت لاحق سيعيد الخلافات للواجهة بشكل أشد وأقوى، حسب “قدور”.

ولم يكتف المبعوث الإيراني “لاريجاني” بمسألة فرض الأوامر على نظام الأسد وحكومته بل نقل رسالة بلاده التي تسعى  إلى تنشيط التبادل التجاري ومنح التسهيلات للفعاليات الاقتصادية لإقامة مشروعات مشتركة، وكل تلك التحركات أتت عقب الإعلان أن “حلب باتت محررة” حسب ما هلل وطبل نظام الأسد وماكينته الإعلامية.

من جانبه رأى الباحث السياسي والتاريخي “عمر الحسون” في حديثه لـ SY24، أن “زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني ما هي إلا لتشجيع النظام على الثبات ورفع معنوياته، والدعم الذي تفرضه إيران على العراق لتقديمه للنظام السوري ليتمكن من الثبات على أرض تهدده بالزوال”.

وعن أهمية حلب بالنسبة لإيران، قال الباحث التاريخي إنه “قبل موت سليماني بأيام اجتمع مع قيادات الميليشيات الصفوية في سوريا وأخبرهم بان حلب تحتضن احفاد المماليك الذين صدوا الهجوم الشيعي المناصر للمغول على إقليم حلب، وإن حلب تحتضن بين جنبيها أمراء الدولة المشعشعية التي نكل أجدادهم بالصفويين قبل أن تقضي البرتغال على دولتهم وأنفسهم الى موطنهم الأصلي معرة النعمان التي تقع في إقليم حلب، كما تحتضن معرة النعمان أحفاد الدولة العلوية التي حكمت طبرستان والديلم في القرن الثالث الهجري، الذين أذاقوا بقايا المجوس والغلات من الفرس والترك والعرب الآمرين”.

وأضاف أنه “رغم قربهم من المذهب الشيعي إلا أنهم أوغلوا في بقايا الديانة المجوسية قتلا وتشريدًا مما جعل عند الصفويين بعد سيطرتهم على إيران هواجس انتقام من أحفاد هذه الدولة الذين تعرضوا للكثير من القتل والتشريد في العراق وطبرستان والديلم على يد الصفويين، إلى أن ساعدتهم الدولة الجبرية والدولة العثمانية على الخلاص من هذه المجازر فجاؤوا إلى معرة النعمان حيث استلموا القضاء وكان لا بد لقاسم سليماني أن يحشد الجهلاء من الميليشيات الشيعية التي تعودت على القتل بحجة الانتقام مظلومية آل البيت ( آل بيت كسرى)”.

وبالانتقال إلى الجانب العسكري وتباهي نظام الأسد بما أسماه “تحرير حلب” إلا أن مصادر ميدانية ذكرت أن الميليشيات الإيرانية شاركت بقوة في تلك الأعمال العسكرية، حتى أن مصادر من الجيش الوطني ذكرت في وقت سابق لـ SY24، تأكيدات عن حشود إيرانية داعمة للأسد على جبهات الريف الحلبي.

وعن أهم تلك الميليشيات التي شاركت في معارك الريف الحلبي، قال النقيب “ضياء قدور”، إن الميليشيات الإيرانية تتفرد بشكل شبه كامل في إدارة وتوجيه العمليات العسكرية في معركة أرياف حلب ضد فصائل الثورة السورية، ويشارك في الهجمات البرية أكثر من 30 ألف عنصر يتبعون لميليشيات متنوعة يدعمها (الحرس الثوري) الإيراني في حلب ودير الزور والبادية، بينهم عدد لا بأس به من عناصر (فصائل المصالحات)”.

وأضاف “تشارك في المعارك المستمرة مجموعات من ميليشيا (حزب الله) اللبناني، ومجموعات أخرى من الميليشيات العراقية والأفغانية والإيرانية، لكن غالبية المليشيات الإيرانية المشاركة هي من مليشيات (الفرقة الرابعة) و (سرايا العرين) و (لواء الباقر)، و(فيلق المدافعين عن حلب)، وعدد أقل من ميليشيا (القاطرجي)”.

وأوضح “قدور” أن “المشاركة الأجنبية تتكون في غالبيتها من مجموعات (قوات خاصة) و (دعم وإسناد) بالإضافة لمجموعات الرصد والاستطلاع الجوي، وإدارة غرف العمليات في نقاط المراقبة الإيرانية المنتشرة في محيط منطقة العمليات العسكرية”.

ويرى مراقبون أن إيران اليوم ستضع يدها على مطار حلب الدولي بعد الإعلان عن إعادة تفعيله معتمدة طريق جوي من خلال مطار حلب وخاصة لنقل المعدات العسكرية والقيادات، لأن الطريق البري لم يصبح آمنا جدا بالنسبة لهم، كما أن حلب مهمة لإيران بسبب موضوع التشييع وخاصة أنه داخل حلب يوجد ما يسمى بمقامات للشيعة كجامع “المشهد” حسب مصادر مختصة بالشأن الإيراني.