fbpx

“بيت الصحفيين”… ملجأ باريسي لمناصري حرية التعبير المضطهدين حول العالم

تعتبر منظمة “بيت الصحفيين” ملجأ لكافة الصحفيين الهاربين من الاضطهاد في بلادهم، ومرتكزا لهم للتعرف على الحياة العامة والمهنية الفرنسية قبل أن يتسنى لهم خوض غمار بناء حياتهم من جديد في فرنسا. مهاجر نيوز زار “بيت الصحفيين” واطلع على الخدمات والأنشطة التي تقيمها هذه المنظمة لصالح الصحفيين اللاجئين.

بالقرب من محطة جافيل الشهيرة في الدائرة 15 للعاصمة الفرنسية باريس، يقع مقر إحدى المنظمات التي تسعى لتجسيد شعار حماية حرية الكلمة والعمل الصحفي في فرنسا وخارجها. “بيت الصحفيين”، منظمة غير ربحية معنية حصرا بمساعدة ودعم الصحفيين الذين تعرضوا للاضطهاد بسبب طبيعة عملهم واضطروا للهرب من بلادهم. تؤمن هذه المنظمة مقر إقامة مؤقتة للصحفيين اللاجئين، وتساعدهم على إعادة بناء حياتهم في فرنسا.

يقع “بيت الصحفيين” في أحد الشوارع الفرعية للدائرة 15. أمام المبنى، لا شيء يوحي بوجود مؤسسة من هذا النوع هناك، ولكن ما أن تدخل من الباب الرئيسي حتى تواجه ملصقات ولوائح وصور ورسوم، كلها تحاكي واقع الصحافة في الكثير من البلدان حول العالم.

دارلين كوتيير، مديرة المنظمة امرأة في أواسط الثلاثينات من العمر، استقبلتنا في مكتبها الكائن في الطبقة الأرضية للمبنى. تتحدث بهدوء وثقة عن المنظمة وأهدافها وتاريخها. “المهمة الرئيسية لبيت الصحفيين هي استقبال هؤلاء الأشخاص والتعرف على التضحيات التي قدموها باسم حرية الصحافة وحقوق الإنسان”.

وتضيف مديرة البيت “نحاول أن نزودهم بالأدوات اللازمة لهم لاستكمال حياتهم في فرنسا، كاللغة والمعلومات العامة حول الحياة اليومية هنا. كما نحاول أن نجيب عن متطلباتهم الخاصة جدا، فهؤلاء قدموا إلينا في أوقات عصيبة من حياتهم، ومعظمهم يحمل ندوبا جسدية ونفسية من تجربته السابقة وعلينا الانتباه لهذا”.

والمبنى الذي يحوي المنظمة، مكون من 14 غرفة موزعة على ثلاث طبقات، إضافة إلى مطبخ كبير نسبيا وحمامات. المبنى كان مصنعا في السابق، فقررت بلدية باريس أن تستصلحه وتقدمه لمنظمة بيت الصحفيين ليتحول إلى مقر لها.

وقدرت مديرة المنظمة عدد الصحفيين الذين استقبلتهم المنظمة منذ تأسيسها عام 2002 بـ400 صحفي، ينتمون إلى 70 جنسية مختلفة من كافة أصقاع الأرض.

وحول الصحفيين الذين تستضيفهم المنظمة اليوم قالت كوتيير: “لدينا اليوم 14 صحفيا قادمون من ليبيا وسوريا وكازاخستان والكونغو وموريتانيا وزيمبابوي وتركيا وباكستان، ويشكل السوريون العدد الأكبر فيهم”. لتعود وتشير إلى أن الصحفيين السوريين يشكلون أغلبيتهم.

هربوا من الاضطهاد ولجأوا إلى “بيت الصحفيين”

خلال جولة في أرجاء المبنى، التقينا بمهاجرين أفريقيين، غيتي (34 عاما) من الكونغو ومامادو (38 عاما) من موريتانيا. المهاجران صحفيان اضطرا للفرار من بلادهما هربا من الاضطهاد الذي لحق بهما.

تتحدث غيتي بصوت خافت وبهدوء، “كنت أعمل في إحدى القنوات التلفزيونية. عام 2017 صورت تقريرا عن مظاهرة للمعارضة الكونغولية. السلطات منعت بث التقرير، ولاحقا اقتحمت قوات الأمن منزلي واعتقلوني. بقيت في السجن 24 ساعة، كانت أطول وأسوأ 24 ساعة أمضيها بحياتي”.

صمتت غيتي قليلا، نظرت حولها، عيناها دمعت وأكملت بصوت خافت أكثر “اغتصبوني”. ساد صمت لثوان قليلة في الغرفة قبل أن تكمل الصحفية الشابة “عندما خرجت من السجن قررت ترك البلاد. توجهت إلى أنغولا، اشتريت جواز سفر برتغالي وسافرت بواسطته إلى فرنسا. وصلت إلى باريس قبل ثلاثة أشهر، ومن حينها وأنا مقيمة في بيت الصحفيين”.

قصص الصحفيين اللاجئين في المبنى جميعها تتقاطع في تفاصيل مرتبطة بحرية عملهم والخوف من الاضطهاد.

مامادو، صحفي موريتاني جاء إلى فرنسا قبل نحو ستة أشهر، اضطر للفرار من بلاده نتيجة عمله الصحفي ونشاطه المناهض للعبودية. قال مامادو لمهاجر نيوز “قصتي مع اللجوء قديمة، عام 1989 تم إبعادي أنا وعائلتي وآلاف الأشخاص الآخرين من جنوب موريتانيا إلى السنغال. أقمنا في مخيمات اللجوء في السنغال حيث كبرت… عام 2011 أصدرت السلطات الموريتانية قرارا يسمح لنا بالعودة. عند عودتي، أسست ‘نادي الصحفيين الشباب‘. عملنا الصحفي لم يعجب السلطات. تعرضت لمضايقات كثيرة… عام 2018 جئت إلى باريس للمشاركة في إحدى الندوات حول العمل الصحفي وسمعت عن بيت الصحفيين. مباشرة قدمت أوراقي للمنظمة وقررت أن أبقى هنا لأحقق ذاتي وأعمل بحرية أكبر”.

سكن مؤقت، تعديل الشهادات وتطوير المهارات

يقدم “بيت الصحفيين” مجموعة من الخدمات التي تهدف إلى مساعدة الصحفيين اللاجئين على إعادة بناء حياتهم بشكل لائق. ووفقا لمديرة المنظمة، تتراوح تلك الخدمات بين تأمين مسكن مؤقت إلى المساعدة في الإجراءات الإدارية إلى تعلم اللغة الفرنسية.
ويتم استقبال الصحفيين بشكل مجاني لمدة قصوى تصل إلى ثمانية أشهر في المبنى. يكون لدى كل صحفي خلالها غرفة خاصة به، كما هناك غرفة كبيرة تم تخصيصها كمكان عمل يستطيع الصحفيون استخدامها لإنجاز مواضيعهم وأعمالهم. كما يمكن للصحفيين استخدام المطبخ العام لإعداد الطعام.

ولدى سؤالها عن مساهمة “بيت الصحفيين” في مساعدة اللاجئين في استكمال تطورهم الأكاديمي والمهني، أكدت كوتيير أن المنظمة، ومن خلال “عدة اتفاقات شراكة وقعناها مع مدارس وكليات تدرس مادة الصحافة في باريس وليل ومونبيلييه، أتيح المجال أمامنا لإرسال الصحفيين إلى تلك المؤسسات إما لتعديل شهاداتهم الأكاديمية أو لتحسين لغتهم الفرنسية أو لتطوير مهاراتهم الصحفية، أو حتى للحصول شهادة الدبلوم الفرنسية”، الأمر الذي سيفتح المجال أمامهم لاحقا للدخول إلى سوق العمل الفرنسية بشكل أفضل.

وشددت كوتيير على دور المنظمة بمحاولة إدماج الصحفيين اللاجئين في المجتمع الفرنسي من خلال برامج خاصة، مثل “المراسل الخاص”، الذي أطلقته بالتعاون مع وزارة التعليم الفرنسية، بهدف زيادة التعريف بقضايا حرية الصحافة والدفاع عن الديمقراطية. من خلال هذا البرنامج، يلتقي الصحفيون اللاجئون لدينا مع تلامذة من كل فرنسا، ليتشاركوا معهم قصصهم كصحفيين في بلدانهم الأم. تلك التجربة تتيح للتلاميذ معايشة تجارب الصحفيين في بلدانهم وفي المنفى، كما تتيح للصحفيين التعرف عن كثب على المجتمع الفرنسي.

“مشكلة الصحفيين اللاجئين الرئيسية هي الأوراق والإجراءات الإدارية”

ليزا فيولا روسي، مسؤولة قسم الاتصال في المنظمة، قالت لمهاجر نيوز “خدماتنا تتخطى تأمين الملجأ والطعام لهؤلاء الصحفيين. الشهر الماضي مثلا، نظمنا لهم زيارة إلى مؤسسات إعلامية عدة، لتعريفهم على العمل الإعلامي في فرنسا والقيم التي يلتزم بها الصحفيون هنا”.

وأضافت “كما نظمنا زيارة لهم إلى مجلس النواب الفرنسي، وهذا جزء من برنامج تعريفهم على الحياة العامة الفرنسية ومفاهيم الديمقراطية وحرية التعبير”.

وقالت روسي “وبما أن معظم الصحفيين اللاجئين لدينا قادمون من دول لا تتكلم الفرنسية، ننظم هنا في المبنى دورات لتعليم اللغة الفرنسية شبه يومية، ففي النهاية، لن يستطيع أي من هؤلاء الصحفيين شق طريقه في هذه البلاد إن لم يتكلم لغتها”.

وبالنسبة لمسؤولة قسم التواصل في المنظمة، “مشكلة الصحفيين الرئيسية لدينا هي الأوراق الإدارية، كالإقامة والضمان الاجتماعي مثلا، وتأمين السكن لاحقا. لذا، نقدم لهم المساعدة الاجتماعية والقانونية اللازمة إلى أن يتمكنوا من التقدم بطلب لجوء والحصول على المساعدة الاجتماعية والطبية وحتى إيجاد منزل. وهذا يتم مع نهاية فترة تواجدهم معنا هنا”.

وأكدت روسي أنه “من خلال المرشد الاجتماعي المتخصص المتواجد في مبنى المنظمة، تتم مساعدة الصحفيين اللاجئين على إتمام أوراق وإجراءات لم الشمل”.

ويمكن الاتصال بـ “بيت الصحفيين” عبر الموقع الإلكتروني الخاص بالمنظمة، حيث سيطلب من المهتمين بالاستفادة من خدمات المنظمة تعبئة استمارة خاصة تشمل تجربتهم الشخصية والمهنية.

وللاطلاع على الاستمارة يمكنكم الضغط على الرابط التالي:
https://www.maisondesjournalistes.org/