سجون دون قضبان.. ناجيات يتحدثن عن معاناتهن بعد خروجهن من المعتقل

“ممكن النظام يبيضلك صفحتك لكن المجتمع يلي حولك يظل يلاحقك وينبذك”، بهذه العبارة اختصرت إحدى المعتقلات المفرج عنهن من سجون النظام الواقع المأساوي الذي تعيشه المعتقلة بعد خروجها من السجن، لتجابه مجتمعاً مليئاً بالتعقيدات والعادات الرجعية، مشحوناً بالنظرة الدونية للأنثى المعتقلة.

وكأن المعتقلة اختارت بملء إرادتها أن تكون معتقلة، وتعاني ما عانته من ذل وتعذيب، لم يشفع لها عند من ظنت أنهم الحضن الدافئ الذي كانت تنتظره طيلة فترة اعتقالها.

في روايات بلسان مفرج عنهن لم يرغبن بالإفصاح عن أسمائهن، روت إحداهن كيف استقبلها زوجها لحظة خروجها من السجن بنكران و ورقة طلاق، فاستجمعت قواها وحضنت أولادها في منزلها الكائن في كفرسوسة والذي حرمت منه هو الآخر، بعد أن استصدر صاحب المنزل قراراً بالإخلاء بحقها فوجدت نفسها في الشارع دون مأوى، تصف جزءاً من معاناتها، بالقول: “وصلت الحال لمجتمعنا لدرجة بات كل من يلتقي بي من صديق أو قريب بالصدفة يتهرب مني وكأنني وباء أو طاعون متنقل، حتى أنه يرفض إعطائي عنوان منزله أو رقم هاتفه إذا رغبت بالاطمئنان عنهم والتواصل معهم”.

وأضافت: “كم كان استغرابي كبيراً عندما كنت أواجه صديقاتي فحتى هن بتن خائفات من أي صلة تربطني بهن وهو ما أثر بي كثيراً”.

وفاء ناجية هي الأخرى من معتقلات النظام لفظها زوجها بعد أن كان السبب في اعتقالها ليرتبط بأخرى، ويكملوا ذويها فصول معاناتها ويزوجوها لمهاجر تركستاني الأصل قادم إلى سوريا والحجة طبعاً أن لا أحد سيطرق بابها طالباً الزواج منها كونها مطلقة ومعتقلة، “هل ذنبي أن زوجي الأول بلغت به الندالة لهذه الدرجة، أم ذنبي أنني اعتقلت، كم وددت لو كان ذنبي فعلاً لكنت استرحت من عذابي قليلاً”، هذا ما قالته وفاء عن شعورها إزاء ما لاقته من أهلها بالدرجة الأولى ومجتمعها ككل بالدرجة الثانية، وها هي اليوم تدفع الثمن للمرة الثالثة على التوالي لذنب لم تقترفه يداها فتطلق من زوجها المهاجر لتتزوج بعدها من رجل خمسيني وهي التي لم تبلغ الثلاثين من عمرها حتى اليوم.

ناجية أخرى -إن صح أن نطلق عليهن اسم ناجيات- تسرد قصة ما بعد خروجها من السجن كزميلاتها السابقات، وإن كان حالها لاحق أفضل من الأخريات، عن ذلك تقول: “عانيت الأمرين بعد خروجي من السجن كحال أغلب من كن في مثل وضعي من المفرج عنهن، فنظرات الازدراء وحتى الاحتقار كنت أراها في وجوه الجميع وغرفة في بيت أهلي تحولت لزنزانة لا تختلف كثيراً عن زنزانة النظام، سوى أن بابها لم يكن مقفولاً والشمس تعبر نافذتها”.

تتابع تلك الناجية الحديث عن ما جرى معها، فتقول: “يبدو أن حظي كان أفضل من كثيرات مثلي، حيث وضع الله في طريقي رجلاً شهماً طلب يدي للزواج فوافقت وارتبطت به ونحن اليوم نعيش في الحدود الدنيا من كفاف العيش في بيت لا تتوفر فيه أدنى شروط الحياة الطبيعية، لكن وجود زوجي بجانبي ووقوفه معي يغنيني ويمدني بالقوة لأكون سعيدة خاصة عندما تبدلت نظرة مجتمعي نحوي بعد زواجي، وهذا ما دعاني للاستغراب فعلاً، فأنا ذاتها التي خرجت من السجن منذ مدة وكانت متهمة في نظرهم فما الذي تبدل الآن؟!.

لعل من يقرأ هذه الكلمات يشاطر تلك الناجية سؤالها حول ماذا تبدل الآن فعلاً، وماذا يختلف الأمس القريب عن اليوم؟.