ما يَخشاهُ الأسد!

تشكّل المظاهرات الأخيرة التي خرجت وتخرج في محافظة السويداء، منعطفاً هاماً في تاريخ الثورة السورية أكثر من أي وقت مضى؛ ومخطئٌ من يظن أنها مجرد “فورة جياع”؛ ولو كانت كذلك، لما تجرّأ المتظاهرون على رفع علم الثورة السورية، وترديد شعارات تطالب بالحرية وإسقاط النظام، وهم على دراية كاملة بما حلّ بأسلافهم من السوريين في المحافظات الأخرى، على يد نظام الأسد من قمعٍ وقصف وتهجير، لكنها تختزل الكثير من الرسائل، ولا تحتاج لتفسير المُفسّر؛ وبطريقة لا تقبل الشك، خرجت المظاهرات لتقول كلمة واحدة: كفى!.. كفى كبحاً لجماح الشباب، كفى الدوس على أحلامهم والنيل من كرامتهم تحت مسميات وطنية رخيصة!

منذ اللحظة الأولى لخروج المظاهرات السلمية المطالبة بالتغيير بعد الشرارة الأولى في درعا، كان النظام السوري في حالةِ تخبّط كبيرة، تارةً قال عنهم إنهم مدفعون بالمال القطري والسعودي، وتارةً يتعاطون الحبوب المهلوسة، وتارةً يشكرون الله على نعمةِ المطر! قبل أن يفلس ويقول إنها مجرد مجسمات!

استمرت المظاهرات في سوريا على الرغم من كلِ المحاولات البائسة لإخمادها؛ حتى أخرج النظام الورقة الأكثر ربحاً، “هؤلاء يسعون لتشكيل إمارات سلفية وبيئات جهادية إرهابية”؛ إلى الآن أذكر كيف أدارت الماكينات الإعلامية من قناتي “الإخبارية وقناة الدنيا” ووكالات الأنباء الرسمية وغير الرسمية، حملةً شعواء ضد المتظاهرين، وقذفتهم بشتى الاتهامات، قبل أن تنتشر ولو قطعة سلاح واحدة.

لقد حاول نظام الأسد أن يخلق حالة من التفكك في المجتمع السوري باللعب على ورقة الطوائف؛ استغلت وسائل إعلامه خروج المتظاهرين من المساجد، لتسوّق للمتلقي السوري بأن المظاهرات تطالب بخلافات إسلامية، وكلنا يعلم بأن انطلاق الناس من المساجد، لم يكن إلا فرصةً لتجمعهم عقب صلاة الجمعة؛ ولما كانت الشعارات آنذاك تطالب بالحرية والديموقراطية والدولة المدنية العصرية، والصورة الأكثر انتشاراً حتى يومنا هذا، تحمل أسماء كل الطوائف، يجمعها حلم مُشترك.. وطنٌ للجميع، لكن كل محاولات النظام، فقط لبناء تمثال الخوف لدى الطوائف الأخرى، ويقول لهم: بأنني حاميكم؛ فإياكم والنزول إلى الشارع.

لن أقول إن المظاهرات لم تكن تشبها شائبة، وانتشرت خطابات تحريضية مشينة في بداية الثورة، ولافتة طائفية واحدة كانت تُعكّر صفو مظاهرة بأكملها من مظاهرات ساحة العاصي في حماة أو ساحة الساعة في حمص، وتصيّد النظام السوري هذه الأخطاء، هذا إن لم نقل إنه كان المساهم في نشرها، لشيطنة الثورة، في المقابل تغاضى عن كل الشعارات التي تطالب بدولة ديموقراطية مدنية تعددية، يعيش فيها السوري بكرامة، خالية من كل أشكال الاستبداد السياسي والديني.

وكما كان من السهل جداً على النظام السوري أن يزجّ بشعارات تخدمه في المظاهرات، كان من الأسهل عليه أيضاً أن يفتح السجون أمام الحالمين بخلافات جهادية عفا عنها الزمن، بل وشارك في تسليحهم، وأذكر في أواخر عام 2011 تم الإعلان عن أول مجموعة جهادية على بعد كيلومترات قليلة من العاصمة دمشق، بعد أن أطلق أعداداً كبيرة من المعتقلين في السجون ممن يحملون الفكر المتشدد، ليعلنوا انتماءهم لتنظيم القاعدة، وداعش من بعدها، في خطةٍ خبيثة درسها النظام السوري جيداً، وربما كانت الفكرة قد أتت من مطابخ المخابرات في طهران أو موسكو.

وقع بشار الأسد في موقف لا يُحسد عليه الآن، كيف سيقول عن دروز السويداء بأنهم “إخوان مسلمون أو سلفيون جهاديون”، وفي نفس الوقت لا يمكنه أن يكرر الخطأ الأكبر بإطلاق الرصاص عليهم ودكّهم بالمدافع! خشية أن تتفجر بوجهه أزمات جديدة؛ وخشيةً منه أن يعرّي الكذبة الكبرى أكثر وأكثر بزعمه محاربة الجهاديين المسلحين!

يُحاصَر النظام السوري شيئاً فشيئاً، لا تتوقف الفكرة عند أبناء السويداء؛ أصبح الشارع السوري اليوم قنبلة موقوتة، في دمشق وحمص وحلب وطرطوس واللاذقية وغيرها، فلم يعد السوريون – حتى الموالين منهم – يحتملون كل هذا الاستنزاف لدمائهم ورغيف خبزهم، ولم تعد رواية المسؤولين في هذا النظام وتطميناته تسري عليهم؛ كيف ستتمكن بثينة شعبان من إقناع موظفٍ حكومي راتبه 12 دولارً شهرياً، وهو ثمن سندويشة وعلبة كولا في أوروبا، أن يصمد بوجه الضائقة الاقتصادية، وابنها وأبناء آل مخلوف والأسد يلتقطون الصور مع السيارات الفاخرة في دبي وغيرها.

ما يخشاه النظام السوري فعلاً، أن تشكّل مظاهرات السويداء، نقطة البداية لثورة جديدة، يشارك فيها أكثر من 90% الشعب السوري، بكافة طوائفهم وألوانهم، وربما انطلقت فعلاً بسبب دمار الوضع الاقتصادي، وقد يسميها البعض “ثورة جياع”، لكنها وبالمعنى الأصح، ثورة جياع للحرية والكرامة للتخلص من هذا النظام الذي داس على دماءِ الناس، ويدوس الآن على خبز عيشهم.