معتقلة سابقة حرمت من أطفالها مرتين.. ما قصتها؟

“كنت انتظر اللحظة يلي راح أخرج فيها للحرية بفارغ الصبر، بس للأسف فرحتي ما كملت”.

وفاء البالغة من العمر 31 عاماً، من قرى ريف إدلب الجنوبي، اختزلت شعورها اليوم بهذه العبارة، راحت تسرد معاناتها التي لم يكن الاعتقال أولها، ولا كان إطلاق سراحها ليمثل نهاية لآلامها وشقائها.

وفاء امرأة سورية كما كثيرات غيرها من ضحايا نظام فاسد وقيم مجتمع متحجر نوعا ما، قصتها بدأت حين كانت متزوجة بأحد أبناء قريتها وسافرت معه إلى دمشق، مكان عمله، عاشت معه هناك، لترزق بأولادها الأربع، وحين اندلعت الثورة السورية وبدأ الحراك، اختار الزوج البقاء في مكان عمله لدى النظام، مما أدى لصعوبة قدومه إلى المناطق المحررة، في الوقت الذي كانت هي فيه بضيافة أهل زوجها في القرية، وكما حال أغلب بيوت العم، نشبت خلافات بينها وبين إحدى أخوات زوجها، والتي بلغت بها السوداوية لأن تبلغ عن زوجة أخيها لأحد حواجز النظام، وبعلم الزوج وتواطؤه بهدف الخلاص منها والزواج بأخرى في دمشق وقتها، وحين قررت وفاء الالتحاق بزوجها في دمشق، تفاجأت بإلقاء القبض عليها، وسوقها مع أخريات ليقضين فترة اعتقالهن في سجون النظام في دمشق، لتذوق مرارة السجن والتعذيب والذل.

لم تتوقف كثيراً عند رواية ما جرى لها داخل المعتقلات، فحالها كحال كل من دخلت تلك السجون ذاقت التعذيب والاهانات والسجن، بل تابعت تروي فصول قصتها منذ لحظة إطلاق سراحها بعد عام كامل قضته بعيداً عن أهلها وعائلتها وأطفالها.

فأول صدماتها كانت نبأ طلاقها وحرمانها من رؤية أطفالها، عن ذلك تقول: ” ما كان يمنحني الأمل في الغد هو انتظاري لحظة خروجي لاحتضن أطفالي وأخذهم بين ذراعي، لكن للأسف هذا لم يحصل، بل حرمت منهم بشكل نهائي”.

خبر طلاقها كان صدمة لكنها ليست الأولى ولا هي بالأمر والأقسى، بل ما كان أشد مرارة بدأ عندما استقبلها أهلها بفتور لم تكن تتوقعه وبنظرات ومعاملة تخلو من العطف والمواساة بعد ما عانته وتعانيه حتى تلك اللحظة، بل على العكس هم راحوا يعتبرونها بحسب تقاليد مجتمع متخلف، وصمة عار واعتقالها ما سيجلبه لهم.

لهذا دفعت وفاء دفعا للقبول بأول من يطرق باب أهلها طالباً الزواج بها، وهذه المرة كان من المهاجرين الوافدين الى سوريا، عارضت بادئ الأمر ورفضت لكن إصرار اهلها وضغطهم عليها جعلها تقبل بالأمر الواقع وتتزوج به.

تقول وفاء: “كانوا أهلي يقولون لي، هل تتوقعين أن يقدم على الزواج منك شخص أعزب، وأنت المطلقة وفوق ذلك كنت معتقلة، فاحمدي ربك أن قبل هذا الغريب بك”.

وبسبب اختلاف الثقافة ونمط العيش، وكون ذاك الزوج الثاني لديه أيضا زوجة أولى وأطفال سبعة، عادت المشاكل إلى حياتها من جديد، ولم يمض عليها فترة حتى صارت تقضي أغلب أيامها في منزل أهلها، بعد كل خلاف ينشب مع الزوج، إلو أن حملت بطفلتها الأولى فتصالحا قبيل قدوم موعد ولادتها ولتظل عنده حتى حملت بطفلها الثاني، واشتعلت الخلافات بينهما من جديد، وتطاول بالضرب عليها من ثم أرسلها إلى منزل أهلها وتركها طيلة فترة حملها الثاني، دون أن يزورها ولا مرة واحدة، إلى أن وضعت مولودها الثاني وكان ذكراً فيأتي الأب ليطالب بابنه، ويساومها على طلاقها منه على أن تتنازل عن طفليها، وبعد جدال طويل وتدخل من أهلها، تطلقت وفاء وحرمت من أطفالها الآخرين أيضاً، وعن شعورها وقتها تقول: “قلت لنفسي الحمد لله هذان الطفلان سيعوضانني عن حرماني أطفالي من زواجي الأول، لكني اليوم لا استطيع وصف إحساس الألم الذي شعرته، حين حرمت منهما أيضاً، وكأن قلبي انتزع من صدري مرتين”.

وعادت وفاء تعيش في منزل أهلها رغم ظروفهم المعيشية الصعبة، والفقر الشديد الذي يعانون منه، والذي لم يشكل عائقاً لديها بقدر ما تركته في نفسها المعاملة السيئة لها من قبل الأهل ونظرات الازدراء من مجتمعها المحيط، فهي اليوم معتقلة لمرة ومطلقة اثنتان، وواحدة منها تكفي لجعلها في أنظار الكثيرين ممن حولها درجة ثانية ومذبة بحسب مفهومهم الخاطئ.

تتابع حديثها وسرد ألمها بالقول: “ليتني بقيت معتقلة، هناك أقله كنت تحت رحمة أناس أغراب لا تعرف الشفقة طريقها لقلوبهم، أما اليوم فالظلم يقع علي من أشخاص لطالما انتظرت خروجي لأرتمي في أحضانهم وأشعر حنانهم وعطفهم الذي لم احس به حتى الآن”.

لم تنتهي فصول مأساة وفاء بل هي اليوم مرتبطة من جديد بكهل خمسيني يكبرها بسنين، وأيضا أهلها من قام بتزويجها كما في السابق، ولا تعلم هل ستكون هي نهاية رحلتها مع الألم، أم أنها حلقة من مسلسل كتب عليها أن تعاني وتقاسي وحدها دون أن تلقى معينا أو حتى أذنا صاغية تفهم ما يجول في نفسها، وتقف إلى جانبها.

وختمت “وفاء” روايتها، بالقول:”أشعر أنني ما زلت معتقلة اليوم رغم خروجي من السجن”.