الأزمة المالية في لبنان تطحن الاقتصاد السوري المنهك!

بعد أن شهد سعر صرف الليرة السورية، الأسبوع الماضي، تدهوراً متسارعاً أمام الدولار الأميركي، وصل على إثره إلى أدنى مستوى له في تاريخها منذ بداية الثورة السورية، أكدت مصادر أن أزمة لبنان المالية هي من ألحقت الضرر الشديد باقتصاد سوريا المجاورة، وذلك إثر تجفيف منبع حيوي للدولارات دفع الليرة السورية إلى مستويات قياسية منخفضة.

فمن المعروف أن اقتصاد سوريا، الذي تحجبه عقوبات غربية عن النظام المالي العالمي، يعتمد على الروابط المصرفية مع لبنان للإبقاء على أنشطة الأعمال والتجارة منذ تفجرت الحرب في البلاد قبل أكثر من 8 أعوام، وذلك بحسب رويترز.

تدفق الدولار متوقف
وفي الوقت الذي تفرض فيه البنوك اللبنانية قيودا مشددة على سحوبات العملة الصعبة والتحويلات النقدية إلى الخارج، يتعذر وصول أثرياء سوريين إلى أموالهم، حيث إن تدفق الدولارات إلى سوريا من لبنان شبه متوقف، بحسب ما أفاد رجال أعمال ومصرفيون في دمشق وفي الخارج.

في التفاصيل، قال مصرفي لبناني بارز يتعامل مع حسابات أثرياء سوريين: “تلك الودائع حبيسة الآن، ولذلك تبعات بدأت بالظهور على السطح في الاقتصاد السوري”.

الأسوأ منذ الحرب الأهلية
فيما تعد أزمة لبنان الاقتصادية التي تختمر منذ وقت طويل هي الأسوأ منذ حربه الأهلية التي استمرت بين عامي 1975 و1990.

بدورها، تسعى البنوك لمنع نزوح رؤوس الأموال بعد أن باتت الدولارات شحيحة ومع هبوط قيمة الليرة اللبنانية في سوق سوداء.

إلى ذلك هوت الليرة السورية بنسبة 30% في الأسابيع التي تلت تفاقم أزمة لبنان الاقتصادية في 17 أكتوبر/تشرين الأول بعد موجة الاحتجاجات في لبنان، وبلغت الليرة السورية أدنى مستوياتها على الإطلاق عند حوالي 765 للدولار هذا الأسبوع.

السوريون أكثر تضرراً
فيما يعتقد أن لدى سوريين أثرياء ودائع بمليارات الدولارات في البنوك اللبنانية، كما أن الفوائد التي تدفع على ودائعهم وتحول إلى داخل البلاد تعتبر مصدراً مهماً للدولارات والاقتصاد، ومع عدم قدرتهم على تحويل الدولارات مباشرة إلى سوريا، يلجأ السوريون خارج منطقة الشرق الأوسط إلى النظام المالي اللبناني كقناة لإرسال أموال إلى أقاربهم تقدر بمئات الملايين كل عام. وتضرر أيضا هذا التدفق، حيث أكد كمال حمدان رئيس مؤسسة البحوث والاستشارات البحثية، ومقرها بيروت، “ربما يكون السوريون أكثر تأثرا بالقيود من غيرهم”.

لا دولارات في دمشق
من المعروف أن أغلب السوريين من أبناء الطبقة المتوسطة يعيشون على فوائد مدخراتهم في لبنان، حيث قال خليل توما، رجل الأعمال السوري: “كان السوريون الذين يعتمدون على فوائد ودائعهم ينفقون بعضها داخل سوريا. هناك آلاف توقفوا الآن عن جلب دولاراتهم من لبنان، وهو ما يقلل المعروض من الدولارات”.

وحتى قبل اندلاع الأزمة اللبنانية، كانت الليرة السورية تحت ضغط، مما يعكس مشكلات سوريا الاقتصادية العميقة التي تفاقمت خلال حرب دمرت مناطق شاسعة من البلاد.

يذكر أنه وفي مسعى منها لدعم الليرة السورية، أجبرت السلطات رجال أعمال أثرياء موالين للأسد في أكتوبر/تشرين الأول، على إيداع أموال في مصرف سوريا المركزي، لكن ذلك كان أقل بكثير من أن يحدث تأثيرا.

وتم تشديد القيود أيضا على سحوبات الليرة السورية في مسعى لكبح تحويلها إلى دولارات.

فيما قال مصرفيان مقرهما دمشق ورجل أعمال، إن مصرف سوريا المركزي أصدر تعليمات إلى البنوك لوضع سقف لعمليات السحب عند 5 ملايين ليرة سورية في اليوم، وهو القيد الذي تم تخفيفه لاحقا إلى 10 ملايين ليرة بعد اعتراضات.

وقال توما “تلك القيود، لاسيما بعد الذعر بشأن الليرة، جعلت الناس يحجمون عن وضع الأموال في المصارف. أغلب الناس يحتفظون بها للخوف من عدم قدرتهم على سحبها عندما يريدون. دفع هذا الدولار للارتفاع بشكل أكبر”، لكن تلك الجهود كانت بلا جدوى.

المركزي يتخلى عن الليرة
كما أوضح المصرفيان اللذان مقرهما دمشق أن المصرف المركزي تخلى عن تحركات لدعم الليرة من خلال التدخل المباشر، مفضلا الحفاظ على ما تبقى من احتياطيات النقد الأجنبي.

في السياق نفسه، أكد رجال أعمال بارزون آخرون لرويترز “نخشى أن يكون الهبوط هذه المرة لا رجعة فيه”، حيث قال كريم الحلواني، وهو تاجر يعمل في استيراد المواد الغذائية، في دمشق “لم يعد التجار يضعون ليراتهم في البنوك. هم يحولونها إلى دولارات، وهذا أوجد مزيدا من الطلب على الدولار”.

فيما يكتنز الكثير من السوريين الآن ما بحوزتهم من عملات أجنبية.

وقال الحلواني “بات الناس أكثر ذعرا. هم يقولون إذا لم يكن رجال الأعمال الأقوياء هؤلاء غير قادرين على فعل أي شيء إذن فالوضع يتدهور”.