fbpx

الرسم ينعش ذاكرة الجدران في مدينة إدلب

حمل الرسم الجرافيتي بصمة خاصة في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، حين حولت أنقاض الأبنية المتهالكة إلى لوحات كبيرة تعبر عن قضايا الثورة والحرية.

للرسم على الجدران علاقة وثيقة بالثورة السورية، نشأت في أيامها الأولى عندما خط أطفال درعا عبارات الحرية والكرامة على جدران المدارس والشوارع، وسرعان ما تحولت إلى رسائل قوية ومباشرة تطالب بإسقاط النظام.

يعتبر الفن الجرافيتي أي “الرسم على الجدران” نوع من الفن القديم أيام الحضارة الفرعونية والإغريقية والرومانية، وتطور مع الوقت وأصبح ما يسمى اليوم بـ “الجرافيتي الحديث” يستخدم فيه بخاخات ومواد الدهان وأقلام التعليم وفراشي الرسم الخاصة ومواد أخرى للحصول على لوحة جدارية تروي أفكاراً وقضايا متنوعة.

يقول الرسام “عزيز أسمر”، إن “الرسم على الجدران المهدمة كان له وقع كبير في نفوس السوريين، وخاصة المغتربين، حين يرون الأمل ينبت من بين الركام ويؤثر فيهم كثيراً”.

الفنان “عزيز أسمر” 48 عام ابن مدينة “بنش” انتقل إليه الفن وحب الرسم بالوراثة من والده الخطاط وأخواله الرسامين، حيث عبّر من خلال لوحاته بداية الثورة عن عدة قضايا عانى منها الشعب السوري كالقصف والنزوح والاعتقال والتهجير، وكانت كل لوحة من لوحاته تحكي قصة جديدة وحادثة مؤثرة.

تميز بداية الثورة أهل داريا وكفرنبل وسراقب برسم اللافتات الكبيرة التي تحمل شعارات مناهضة للحكم وتدعو للحرية والعدالة وكانت تعرض صاحبها لمخاطر الاعتقال أو القتل في مناطق سيطرة النظام، ومن ثم انحصر هذا الفن في أماكن المعارضة بعد سلسلة التهجير القسري الذي انتهجه النظام السوري بمساعدة روسيا وإيران.

يخبرنا “الأسمر” عن أكثر اللوحات التي أثرت في وجدانه حين رسم جدارية كبيرة بطول 30 متر في مدينة بنش تحوي اسم 600 ضحية من النساء والأطفال والرجال الذين قضوا خلال الثورة السورية، فلكل اسم قصة وحكاية، كان المارة من الأهالي يقفون كثيراً أمامها يقرؤون أسماء الضحايا ويتذكرونهم بشكل دائم.

لم تقتصر لوحات الجرافيتي في محافظة إدلب على قضايا الشأن الداخلي بل كانت تعنى بكل حدث عالمي مفصلي، يوصل رسالة من إدلب إلى العالم أننا مع كل القضايا التي تدعم الحرية والإنسانية والعدالة أينما كانت.

تعاون “الأسمر” مع الرسام “أنيس حمدون” وهو فنان متعدد المواهب في الرسم والنحت والديكور وله خبرة في رسم الجداريات الكبيرة وفن دمج الألوان واستخدامها بالشكل الصحيح لأي لوحة.

بشكل شبه يومي يبحث الرسامين بين ركام البيوت في عدة مدن، عن حائط مناسب لرسم أفكارهم المتجددة قاصدين كل المدن والمناطق في محافظة إدلب رغم كل المخاطر التي تعرضوا لها أثناء ممارسة عملهم إلا أنهم مستمرين لليوم في الرسم والإنجاز.

“حمدون” ابن مدينة بنش أيضاً، من مواليد 1972، تعلم الرسم منذ الصغر عن حب وهواية ودرس في عدة مراكز للفنون.

يقول لنا إنه باشر في بداية الثورة بمشروع تجميل شوارع مدينة “بنش” كالرسم على الحيطان لأفكار ثورية معينة، ثم انتقل للرسم على أنقاض الجدران المتهالكة لمحاكاة الواقع من قصف ودمار واستخدام الأسلحة الكيماوية، وثم لوحات تحمل طابع عالمي.

عن هذه الخطوة يقول لنا الأسمر “استطاعت لوحة الرجل الأمريكي “جورج فلويد” الذي تعرض للقتل على يد رجل شرطة، بسبب العنصرية، أن تصل إلى العالم مكذبة ادعاءات النظام بأننا إرهابيين ودعاة حرب، بل ثورتنا ثورة فكر وحرية، واكبت كل قضايا الإنسانية العالمية.

حملت الجداريات المرسومة في محافظة إدلب عدة قضايا منها القضية الفلسطينية، و أحداث أخرى في دول عربية كمصر والسودان، ولوحات شكر لمن وقف مع القضية السورية وساند اللاجئين في غربتهم مثل لوحة عن المستشارة الألمانية “ميركل” التي تعاطفت مع السوريين ودعمتهم، كذلك تناولت الجداريات لوحة عن الصحفي معاذ الفلسطيني الذي فقد إحدى عينيه وعبرت عن التضامن معه.

وأخيراً لوحات معبرة عن فيروس كورونا كان لها صدى كبير وأثرت بالأطفال حتى، بسبب تناولها بأسلوب كرتوني مبسط يجسد الفيروس كشخصية شريرة يجب الوقاية منها.

يعتبر الفنانين أن اللوحات رسائل فورية ومباشرة وتحدث تأثير كبير في الجمهور بمختلف شرائحه على الرغم من أنها مؤقتة قد تزول بفعل عوامل الطبيعة أو الهدم أو مع مرور الوقت.

أما بالنسبة للدعم والتمويل لا يتلق الفنانين أي دعم من أي جهة أو فصيل وهذا سر نجاحهم واستمرارهم حسب رأيهم لأنهم يحافظون على استقلاليتهم دون تحكم في طبيعة اللوحات التي يرسموها، بمجهود شخصي وريشة وألوان وتكاليف بسيطة، استطاع الفنانين أن يجسدوا الواقع ومعاناة الناس وقضاياهم إلى الداخل والخارج.