ما لا تعرفه عن المصادر الخفية للقوة الإيرانية.. الولاء الثقافي.. حزب الله نموذجاً

رغم التصعيد الكبير الذي نشهده بين الولايات المتحدة وإيران، فإن المواجهة حالياً يمكن وصفها بمرحلة عض الأصابع، التي لن تتدحرج لحربٍ شاملة. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد حصراً تغيير سلوك النظام الإيراني، بينما تشعر إيران بأنها محمية من قبل شبكاتها الواسعة في لبنان والعراق واليمن، للرد على مصاعب الوضع الداخلي.

قصة قديمة جديدة
تبدو الإدارة الأميركية واثقة، أقله حالياً، أن الأمور لن تخرج عن السيطرة عبر ردٍ إيراني مباشر. إلا أن أكثر ما يؤرقها هو استخدام طهران لحلفائها، وهو ما بدأ بالفعل مع استهداف الحوثيين  لمحطتي ضخ تابعتين لشركة أرامكو في منطقة العاصمة الرياض، والتخوف من انتقام مشابه للحشد الشعبي العراقي، ما دفع وزارة الخارجية الأميركية الطلب من “موظفي الحكومة غير الضروريين” في العراق الرحيل على الفور، والتحذير من حزب الله، الحليف الأقوى لطهران في المنطقة، عبر نشر وزارة الخارجية الأميركية مقطعاً مصوراً عن قواعد تدريب يقيمها الحرس الثوري الإيراني في البقاع، وزيارة مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط دايفيد ساترفيلد لبيروت، للتعبير عن عزم واشنطن تطويق النفوذ الايراني.

عبر التاريخ المأزوم للعلاقة الأميركية- الإيرانية، لجأت إيران دائماً لوكلائها الإقليميين، للضغط على واشنطن. في عام 1982، احتجز حزب الله العشرات من الأميركيين كرهائن في بيروت.

وفي عام 1983، كان الحزب مسؤولاً عن إرسال الانتحاريين إلى ثكنات المارينز الأميركية في بيروت، وقتل 241 من مشاة البحرية. وبعد أكثر من عقد من الزمن، في عام 1996، قام الحزب، حسب الاتهامات الأميركية، بتفجير شاحنة مفخخة وقتل تسعة عشر جندياً أميركياً في مجمع أبراج الخبر، في المملكة العربية السعودية.


تكاليفٌ باهظة
من الناحية التقليدية، فإن الجيش الإيراني النظامي، والحرس الثوري الإيراني الأكثر حداثة، لا يضاهيان القوات المسلحة الأميركية. والقلق يكمن هنا، حسب ما تشير مجلة “واشنطن إكزامينر” الأميركية، في التكاليف المرتبطة بالعمل العسكري، التي تفوق إلى حدٍ كبير كل الفوائد التي ستحصل عليها واشنطن.

عسكرياً، تمتلك طهران، حسب المجلة، خيارات عديدة. إذ يمكن أن تنتقم من خلال أذرعها الإقليمية في لبنان وسوريا واليمن والعراق. وستكون طهران قادرة على استخدام كل أوراقها كشكل من أشكال الضغط.

وفي مثل هذا السيناريو، فإن عشرات الآلاف من القوات الأميركية المتمركزة في الشرق الأوسط ستتعرض للمخاطر؛ وكلما زاد عدد القوات التي تنشرها الولايات المتحدة في المنطقة، كلما زادت أهداف إيران.

دعم مالي
من جهتها، أشارت مجلة ”فوربس” الأميركية أن إيران لم تطور قدراتها وقوتها الإقليمية لتدخل في صراع عسكري تقليدي. وبدلاً من ذلك، فإنها تضخ الأموال والأسلحة لوكلائها الإقليميين، بهدف توفير الرخاء العسكري والسياسي لهم. وكذلك تمكينهم من إبراز قوتهم إقليمياً ودولياً.

وعن مقدار الأموال، التي تضخها إيران في الدول المجاورة، تنقل المجلة الأميركية عن “مركز صوفان” الاستشاري للشؤون الأمنية، تدفقات التمويل إلى ست دول الشرق الأوسط، بحيث تتلقى سوريا الجزء الأكبر من تمويل طهران بقيمة 6 مليارات دولار من المساعدات الاقتصادية والنفط المدعوم ونقل السلع والمساعدات العسكرية، التي يتم إرسالها سنوياً. فيما يتم توفير ما يصل إلى مليار دولار سنوياً في العراق المجاور، يصل بعضها لأيدي الميليشيات. أما في لبنان، فُيقدر الدعم المالي للحزب بنحو 700 مليون دولار.

الولاء لا المال!
وتحت عنوان ”المصادر الخفية للقوة الإيرانية” نشرت الباحثة نرجس باجوغلي تحقيقاً في مجلة ”فورين بوليسي” الأميركية، عن قدرة إيران الكبيرة في السيطرة على أذرعها الإقليمية، وقد نقلت باجوغلي ما قاله لها عضو رفيع المستوى في الحرس الثوري الإيراني يُدعى علي، عندما سألته مؤخراً عن أحد الأهداف المعلنة لعقوبات إدارة ترامب ضد إيران، وأجابها “إن ما لا يفهمه الأميركيون هو أن الجماعات التي ندعمها في المنطقة ليست مرتزقة لدينا، يعتقد الأميركيون أن كل شيء يتعلق بالمال. إنهم يعتقدون أننا نشتري الولاء في المنطقة، لأن هذه هي الطريقة التي يشترون بها الولاء”.

تشير باجوغلي أنه خلال العقد الذي أجرت فيه بحثاً مع منتجين ثقافيين في الحرس الثوري الإيراني، رأت تدفقاً مضطرداً من المخرجين الموالين لحزب الله والجماعات الشيعية والكردية العراقية عبر المراكز الثقافية للنظام في طهران. كان مهدي، وهو مخرج أفلام إيراني مؤيداً للنظام، يعيش في لبنان لإنتاج أفلام مع منتجي حزب الله الإعلاميين. وعندما زاروه في طهران، تحدثوا بطلاقة اللغة الفارسية وتجولوا في المدينة بسهولة مألوفة.

وعلى الرغم من أن بحثها ركز على المنتجين الثقافيين، فقد رأت باجوغلي تدفقاً مماثلاً للبنانيين والعراقيين في الأذرع الاقتصادية والعسكرية للحرس الثوري الإيراني. ومن المؤكد، حسب باجوغلي، أن يستمر تدفق السلع والأفكار والأشخاص بين إيران وأذرعها وسط عقوبات الرئيس دونالد ترامب، والتي يسهلها طيف من المؤسسات التي لا تعتمد على استثمارات مالية ضخمة، بل على إقامة صداقات دائمة مع جميع الجهات، وعلى دوافع سياسية وأيديولوجية وثقافية متينة، ترتبط بمنظور البحث السياسي عن السيادة، وتجعل من وكلاء إيران في المنطقة سلاحاً لا يمكن الاستهانة به.

الكلمات الدليلية