مركز حقوقي يكشف عن وثائق تؤكد تلاعب النظام السوري بالمساعدات الإنسانية الأممية

نشر “المركز السوري للعدالة والمساءلة” تقريرًا تضمن وثائق مسربة تشير إلى تلاعب النظام السوري بتدفق المساعدات الإنسانية لمعاقبة معارضيه ومكافأة الموالين له.

وبحسب التقرير الذي نشر في 1 آب، فإن مخابرات النظام السوري لعبت دورًا في توجيه المساعدات الدولية، المقدرة بمليارات الدولارات، لمعاقبة السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة ومكافأة السكان الموالين للنظام السوري.

وقال المركز السوري للعدالة والمساءلة إنه بحث في قاعدة بياناته الخاصة بوثائق حكومة النظام السوري بحثاً عن رسائل ومذكرات ذات صلة. 

وأشار إلى أن الوثائق التي تم تحديدها تكشف كيف أن أجهزة المخابرات السورية، التي ارتكب أفرادها بعض أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان خلال النزاع، تلعب دوراً رئيسياً في توجيه ومراقبة جهود المساعدات الإنسانية في سوريا.

وفي تفاصيل الوثائق الصادرة عن شعب المخابرات، اشترط النظام السوري على منظمات الإغاثة الدولية الحصول على موافقته لتقديم المساعدات داخل سوريا، وأكدت منظمات دولية عدة أن طلبها لتوزيع المساعدات كان يُقابل بالرفض أو يتم تجاهله دون ذكر الأسباب.

كما أظهرت مذكرة صادرة عن فرع الأمن السياسي في محافظة إدلب، في تموز عام 2014، كيف يحدد النظام السوري مناطق “آمنة” لتوصيل المساعدات إليها، ومناطق “ساخنة” يجب تقييد وصول المساعدات إليها.

وبناء على القرار صُنفت بلدتا الفوعة وكفريا على أنهما آمنتان لوجود قواعد عسكرية فيهما، في حين صُنفت بلدتا قاح وأطمة على أنهما “ساخنتان” لوجود مسلحين فيهما، رغم احتوائهما على مخيمات كبيرة للنازحين.

وأشار التقرير إلى أن توزيع المساعدات الإنسانية تم بناء على اعتبارات سياسية بدلًا من الاحتياجات الإنسانية.

وقال التقرير إنه من خلال هذه القيود، تعاقب الحكومة السكان المدنيين الذين يُعتقد أنهم متحالفون مع المعارضة من خلال تحويل المساعدات من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة ومخيمات النازحين القريبة، إلى المناطق التي يُنظَر إليها على أنها موالية لحكومة النظام السوري.

وتابع التقرير أن المراسلات الداخلية تُوفِّر أيضاً دليلاً واضحاً على أن التلاعب بتدفقات المساعدات كان سياسة رسمية على أعلى مستويات الحكومة. 

ففي تموز/يوليو 2014، أصدرت شعبة الأمن السياسي في المخابرات السورية برقية موجهة إلى رؤساء فروعها في جميع المحافظات. وفي هذه الرسالة، تطلب هذه الشعبة من الفروع التأكد من جهة مقصد البضائع قبل إرسالها، لأن وصول المساعدات إلى المناطق الساخنة يحتاج إلى قرار سياسي مسبق وتتم متابعته من قبل مكتب الأمن الوطني بالتنسيق مع ضابط ارتباط محدد من شعبة الأمن السياسي.

وتمضي الوثيقة في تسمية ضباط محددين سمحوا، “دون إذن مسبق”، بوصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق تسيطر عليها فصائل المعارضة. 

ولمنع حدوث مزيد من الأخطاء، تنص الرسالة على أنه تم تكليف عدد من ضباط شعبة الأمن السياسي بمتابعة والإشراف على وصول المساعدات الإنسانية إلى “المناطق الساخنة” بالتنسيق مع المحافظين المحليين. 

وكان مصير الضباط الذين تم توبيخهم في هذه الرسالة غير واضح، لكن في حالات أخرى، حاكمت الحكومة أفراداً بتهم تتعلق بالإرهاب لتوزيع مساعدات إنسانية في مناطق المعارضة، بموجب قانون مكافحة الإرهاب الفضفاض لعام 2013.

القيود على المساعدات الطبية

على وجه الخصوص، سعت حكومة النظام السوري إلى الحد من إيصال المساعدات الطبية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة كوسيلة لحرمان المقاتلين الثوار من الحصول على المساعدات الطبية. 

وتشير مذكرة أخرى صادرة عن شعبة الأمن السياسي في شباط/فبراير 2014 إلى وجود حظر رسمي على المساعدات الطبية للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وبينما تشير إلى أن قوات الأمن قد “تخفف القيود التي حظرت دخول المساعدات الطبية إلى المناطق الساخنة”، فإنها تحث الضباط على “أن يُبقوا في اعتبارهم وجود مستشفيات تحصل على دعم أجنبي وتعالج جماعات مسلحة”. 

ومن شأن هذا التوصيف الأخير أن يمنح الضباط ضمنياً سلطة تقديرية واسعة لمنع وصول المساعدات الطبية إلى أي مناطق قد يتواجد فيها مقاتلو المعارضة.

وتشدّد الوثيقة نفسها أيضاً على ضرورة قيام الفروع بالتنسيق مع الهلال الأحمر السوري “لتنظيم توزيع المساعدات الطبية على هذه المناطق واختيار أنواع المساعدات التي يُسمح بدخولها”. 

وتؤكد هذه التعليمات على ممارسة شائعة في النزاع، حيث قامت الحكومة بالقوة باستبعاد الإمدادات الطبية من قوافل المساعدات المتجهة في الغالب إلى مناطق هي في أمسّ الحاجة إلى الأدوية. 

وفي عام 2018، على سبيل المثال، أمرت الحكومة الوكالات الدولية بإزالة 70% من الإمدادات الطبية من قافلة مساعدات كبيرة قبل أن تتمكن من السفر إلى الغوطة الشرقية، حيث كان الحصار قد رُفع للتو بعد خمس سنوات.

اتهامات أخرى

بالإضافة إلى ذلك، تتضمن الوثائق التي حلّلها المركز السوري للعدالة والمساءلة إشارات إلى مزاعم خطيرة صدرت عن وكالات المعونة الدولية والتي لم يسبق نشرها للعلن. 

وتشير إحدى البرقيات إلى رسالة من مكتب الأمن الوطني تحدد قائمة الشكاوى الصادرة من منظمات الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الإنسانية الدولية، بما في ذلك ادعاءات بأن قوات الأمن السورية استولت على إمدادات واعتقلت متلقّي المساعدات في مراكز التوزيع.

وفي حالات أخرى، زُعم أن قوات الأمن كانت تمنع تسليم الحصص الغذائية للنساء المتزوجات وتطلب منهن إرسال أزواجهن بدلاً عنهن — على الأرجح للعثور على الرجال الذين هم في موضع اشتباه واعتقالهم.

خطوات نحو المساءلة

وفي ختام التقرير قال المركز إن الوثائق المشار إليها هنا، توضح أن المنظمات الدولية قد أذعنت لإطار عمل مسيّس وموجّه بشكل أساسي من قبل قطاعات من الحكومة السورية انتهكت حقوق الإنسان بشكل فظيع. ومن خلال القيام بذلك، تضحّي وكالات المعونة الدولية لا محالة بمبادئ الحياد والنزاهة الخاصة بها.

ورداً على الانتقادات الأخيرة، ردّ أمين عوض، مدير مكتب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالقول: “بالنسبة لنا، إنه أمر ثانوي من يكون كل شخص. ليس لدي آلية نقوم من خلالها بتمحيص كل عقد لفحص صلته بالنظام”. 

وأردف التقرير قائلاً: “صحيح أن المنظمات الإنسانية يجب أن تعمل بطريقة عملية لتوفير المساعدات المنقذة للأرواح في ظل ظروف مقيّدة للغاية، ولكن هناك خطوات مجدية يمكن للوكالات أن تتخذها لتحسين الوضع الحالي”.

وفي تقريريهما، تقدّم هيومن رايتس ووتش وتشاتام هاوس عدداً من التوصيات، بما في ذلك إنشاء نظام مراقبة شامل يوثّق مدى وصول المساعدات ويضمن الامتثال لحقوق الإنسان والمبادئ الإنسانية.

وشدد التقرير أنه ينبغي على المنظمات وجهاتها المانحة، بشكل أساسي، أن تبدأ في التصدّي للفساد الحكومي المتعلق بالمساعدات الدولية. ولقد وفّرت مليارات الدولارات التي ضختها إلى سوريا شريان الحياة لحكومة النظام السوري.