في مشهد يكاد يكون خارجًا عن المنطق، تتجاور سلالم مؤقتة على ضفة النهر مع ركام إسمنتي كثيف على الضفة المقابلة.
هنا، لا يغامر سكان الرقة بحثًا عن رفاهية، بل عن حق أساسي: الوصول إلى علاج طبي، أو لقمة عيش، أو مكان عمل.
ما دُمر لم يكن مجرد طريق من الأسفلت، بل شريان حياة كان يجمع ضفتي النهر ويختصر الزمن والمسافة.
ومع تفجير الجسر القديم، كما يصف الأهالي، ضاقت فسحات الأمل، وبات العبور اليومي يتأرجح حرفيًا فوق كومة من الركام.
شلل في الحركة ومخاطر يومية
تعاني مدينة الرقة من تدهور ملحوظ في أوضاعها الخدمية والإنسانية عقب قيام قوات سوريا الديمقراطية بتفجير الجسر القديم الذي كان يربط المدينة بريفها. هذا التدمير أدى إلى شلل شبه كامل في حركة الأهالي، إذ يضطر مئات السكان، خصوصًا النساء والأطفال والموظفين، إلى استخدام وسائل عبور بديلة وغير آمنة، مثل القوارب النهرية أو السلالم المؤقتة، في مشهد يعكس حجم الخطر اليومي الذي يواجهونه.
جسر اختصر الطريق… قبل أن يتحول إلى عبء
لم يكن الجسر مجرد معبر، بل طريقًا مختصرًا يوفر ما بين 55 و60 كيلومترًا من المسافة. قبل تدميره، كان الأهالي يقطعون نحو ثلاثة كيلومترات فقط للوصول إلى المدينة أو العودة إلى الريف خلال دقائق معدودة. اليوم، تحول هذا الاختصار إلى عبء ثقيل، زمنًا وتكلفة ومخاطر.
شهادات من قلب المعاناة
في هذا السياق، قالت الخالة عائشة، وهي من سكان الريف، واصفة التحول القاسي في حياتهم اليومية:
«كنا خلال عشر دقائق نكون داخل مدينة الرقة. حاليًا، إما نعرض حياتنا للخطر، أو نقطع مسافة طويلة تستنزف الوقت والجهد».
من جانبه، اشتكى نوار العمر، أحد التجار، من الأعباء الاقتصادية المتزايدة، مؤكدًا أن تكاليف النقل تضاعفت بشكل كبير، وأضاف:
«ندفع مبالغ كبيرة لنقل البضائع بالقوارب. سابقًا كنا مرتاحين من أجور النقل، أما اليوم فالتكاليف انعكست علينا وعلى الناس».
وفي شهادات متقاطعة، أكد عدد من السكان أن استمرار هذا الواقع يفاقم معاناتهم اليومية، متوقعين ازدياد الأزمات الخدمية والاقتصادية ما لم تُطرح حلول آمنة ودائمة.
مستقبل معلق على ضفتي النهر
ما يجري في الرقة اليوم يتجاوز كونه أزمة بنية تحتية، ليصبح أزمة حياة يومية تمس الأمن الإنساني والاقتصادي للسكان. وبين قوارب تتهادى على الخطر وسلالم مؤقتة لا تطمئن، تبقى الأسئلة مفتوحة حول مستقبل المدينة، وإمكانية إعادة تأهيل الجسر أو إيجاد بدائل تضمن حق الأهالي في التنقل والحياة الكريمة.
في مدينة أنهكتها سنوات الصراع، كان جسر واحد كفيلًا بأن يختصر الألم… وتدميره كان كفيلًا بأن يضاعفه.