شكّلت سهول الزبداني لعقود طويلة إحدى أبرز السلال الزراعية في ريف دمشق الغربي، بفضل خصوبة تربتها ووفرة مياهها وطبيعتها المناخية الباردة، التي جعلتها بيئة مثالية لزراعة الأشجار المثمرة. غير أن سنوات الحرب وما رافقها من عمليات تحطيب ممنهجة نفذتها عصابات نظام الأسد وميليشياته، حوّلت هذه السهول من مساحات خضراء كثيفة الأشجار إلى أراضٍ شبه عارية، واضعة المزارعين أمام واقع اقتصادي وبيئي بالغ القسوة.
لم تكن الزبداني مجرد مدينة سياحية معروفة بطبيعتها الخلابة، بل كانت سهلًا زراعيًا غنيًا بالأشجار المثمرة، التي شكّلت العمود الفقري لاقتصاد مئات العائلات. التفاح والإجاص والكرز والدراق والخوخ كانت أبرز المحاصيل التي اشتهرت بها المنطقة، مستفيدة من درجات الحرارة المنخفضة شتاء، التي تحتاجها هذه الأشجار للنمو والإثمار.
لكن هذا المشهد تغيّر جذريًا منذ اندلاع الثورة السورية، ومع دخول ميليشيات حزب الله وقوات النظام إلى الزبداني، حيث تعرّض سهلها الزراعي لعمليات قطع واسعة للأشجار المثمرة والحراجية، في سياق عقابي ممنهج استهدف مصدر رزق الأهالي وغطاء المنطقة النباتي.
أبو محمد، أحد مزارعي الزبداني، يستعيد بحسرة ما خسره خلال تلك السنوات، ويقول في حديث لسوريا 24: “كان عندي 25 دونمًا كلهم مشجّرين، أعمار الأشجار تقارب 30 سنة. بعد دخول عناصر من ميليشيات الأسد، قطعوا الأشجار بالكامل. هذا السهل الممتد من نهر بردى من الشرق إلى الغرب كان كله شجرًا مثمرًا، الآن أصبح أرضًا قاحلة نزرعها خضراوات موسمية”.
ويضيف واصفًا الكثافة النباتية التي كانت تميّز السهل: “كانت الأشجار العالية يصل طولها إلى نحو سبعة أو ثمانية أمتار، تغطي السهل كله، ومع وجود المياه والبرودة، كان الإنتاج وفيرًا”.
اليوم، لا تقتصر خسارة أبو محمد ومئات المزارعين على فقدان مصدر دخلهم الأساسي، بل تمتد لتشمل خسارة المنطقة جزءًا كبيرًا من غطائها النباتي، وما يرافق ذلك من تغيّرات مناخية وبيئية واضحة، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الرطوبة.
أمام هذا الواقع، لجأ المزارعون إلى حلول إسعافية تمثّلت بزراعة محاصيل موسمية وخضراوات مثل الخيار والذرة وبعض الخضار الورقية، إلا أن هذه الزراعات، بحسب الأهالي، لا تحقق جدوى اقتصادية حقيقية. يقول أبو محمد: “زرعنا خيارًا وخضراوات، لكنها تتعرّض للصقيع ولا تحقق هامش ربح جيدًا للفلاح”.
من جهته، يشرح وضاح حمدان، مسؤول حملة “ريفنا أخضر” في الزبداني، في حديث خاص لسوريا 24، أن المدينة كانت تحتل المرتبة الأولى على مستوى المنطقة من حيث الغطاء النباتي، نظرًا لخصوبة التربة ووفرة المياه وطبيعتها الباردة.
ويضيف: “منذ مشاركة الزبداني في الحراك الثوري، شهدت المنطقة قطعًا ممنهجًا للأشجار المثمرة والحراجية في سهل الزبداني والجبل الغربي، بالتزامن مع إقامة نقاط عسكرية”.
وبحسب تقديرات الحملة، فإن تعافي القطاع النباتي في الزبداني يحتاج اليوم إلى زراعة ما بين 800 ألف إلى مليون شجرة مثمرة، تشمل التفاح والإجاص والكرز والدراق والخوخ، إضافة إلى نحو 500 ألف شجرة حراجية لإعادة الغطاء الأخضر للجبل الغربي، والمساهمة في تعديل المناخ والعودة إلى ما كان عليه قبل الثورة.
وفي إطار الحلول المتاحة، يشير المسؤول إلى أن الخطوات الإسعافية تتمثّل بزراعة الأشجار سريعة النمو نسبيًا، كالدراق والخوخ، إلى جانب المبادرات المجتمعية. ويكشف أن حملة “ريفنا أخضر” قدّمت في مرحلتها الأولى نحو 15 ألف غرسة حراجية، على أن تتبعها مرحلة ثانية لتوزيع غراس مثمرة، وفق الإمكانات المتاحة.
وأضاف أنها ستقدّم 20 ألف غرسة من الأشجار المثمرة في المرحلة الثانية، بتوجيه من محافظ ريف دمشق، لإعادة تشجير المنطقة.
ورغم هذه الجهود، لا تزال الزراعة الموسمية خيارًا اضطراريًا أكثر منه حلًا مستدامًا، في ظل الظروف المناخية القاسية والعجز المادي الذي يعانيه الفلاحون، ما يجعل استعادة أشجار الزبداني المثمرة السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من هوية المنطقة الزراعية، وضمان عودة الاستقرار الاقتصادي والبيئي لأهلها بعد سنوات من الاستنزاف والتجريف.
