دير الزور بعد التحرير: عودة الأهالي تصطدم بدمار الجسور وغياب الخدمات

حجم الخط

تشهد محافظة دير الزور، ولا سيما المناطق التي تحررت حديثاً، واقعاً إنسانياً وخدمياً بالغ التعقيد، في ظل دمار واسع طال البنية التحتية والمنازل والمرافق الحيوية، ما انعكس مباشرة على حياة الأهالي وقدرتهم على تدبير شؤونهم اليومية.

وبينما يحاول السكان إعادة ترتيب تفاصيل حياتهم وسط إمكانات محدودة، تتصدر احتياجات إعادة الإعمار والخدمات الأساسية أولويات المرحلة الراهنة.

واقع الناس: عودة حذرة ومعيشة شاقة

في مدن وبلدات دير الزور وريفها، مثل: الميادين، العشارة، هجين، مراط، الباغوز، حلبية وزلبية، عاد آلاف الأهالي إلى منازلهم أو ما تبقى منها، مدفوعين برغبة في الاستقرار بعد سنوات من النزوح.

غير أن هذه العودة تصطدم بواقع معيشي صعب، يتمثل في غياب الخدمات الأساسية، وتهالك الطرق، وانقطاع الكهرباء والمياه في كثير من الأحياء.

ويعتمد معظم السكان حالياً على المبادرات الفردية والتكافل الاجتماعي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، في ظل ضعف فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل تدبير الأمور اليومية تحدياً مستمراً، خصوصاً للأسر التي فقدت مصادر دخلها.

منازل مدمرة وركام يعيق الحياة

تعرضت أحياء واسعة في مدينة دير الزور وريفها لدمار جزئي أو كلي، الأمر الذي جعل آلاف المنازل غير صالحة للسكن.

ويؤكد عاملون في الدعم المحلي أن الركام المنتشر في الشوارع والحارات يشكل عائقاً كبيراً أمام حركة السكان، ويؤخر عمليات الترميم وإعادة التأهيل.

وفي هذا السياق، قال زياد العكل وفاضل كاظم، العاملان ضمن جمعيات الدعم المحلي في دير الزور، في حديث لمنصة سوريا 24، إن حجم الدمار الذي خلفه انسحاب “قسد” كبير جداً، ويتطلب جهوداً استثنائية لإزالة آثاره، مشيرين إلى أن إعادة الحياة الطبيعية لن تكون ممكنة دون معالجة ملف الركام والبنية التحتية بشكل جذري.

الجسور والطرق: شرايين مقطوعة

تُعد الجسور والطرق من أكثر المرافق تضرراً في المحافظة، وهي تمثل شرايين حيوية تربط ضفتي نهر الفرات وتصل بين المدن والبلدات.

ووفقاً للعكل وكاظم، تم رصد عدد كبير من الجسور المدمرة التي تحتاج إلى ترميم عاجل، أبرزها:

• جسر الباغوز

• جسر أبو الحسن في هجين

• جسر العشارة

• جسر الميادين

• جسر مراط الحربي

• الجسر المعلق

• جسر حلبية وزلبية

إضافة إلى ذلك، تعاني الطرق الداخلية والخارجية من تضرر شديد نتيجة انهيارات في شبكات الصرف الصحي وتهالك البنية التحتية، ما جعل كثيراً منها غير صالح للاستخدام، ويعرقل حركة المدنيين وعمليات النقل.

مبادرات أهلية: “فزعة” لتعويض الغياب

في ظل محدودية الإمكانات الرسمية، برز دور المجتمع المحلي في سد جزء من الفجوة الخدمية. ففي جسر العشارة، بادر الأهالي إلى التبرع بآلياتهم الخاصة لنقل الردم، في محاولة لترميم الجسر بشكل إسعافي يتيح العبور بين ضفتي النهر.

كما شهدت مناطق أخرى “فزعات” مماثلة لترميم جسور إضافية وتأهيل طرق رئيسية، بما يسمح بعودة الحركة والتنقل.

وتعكس هذه المبادرات حجم التكاتف الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه تسلط الضوء على حجم العبء الملقى على كاهل الأهالي، في ظل غياب الدعم الكافي.

أرقام صادمة وحاجة إلى خطط شاملة

بحسب دراسة أولية لبعض المهندسين، وعلى رأسهم رئيس بلدية دير الزور ماجد حطاب، فإن كمية الركام في المدينة تُقدّر بنحو 75 ألف طن، يتوجب ترحيلها لضمان حرية الحركة بين الشوارع والحارات، وتهيئة الأرضية لإعادة الإعمار.

وأشار حطاب، حسب ما نقل العكل وكاظم، إلى أن بعض الورشات بدأت بالفعل العمل على إعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي والكهرباء، بالتعاون مع عدد من المنظمات، إلا أن هذه الجهود لا تزال محدودة مقارنة بحجم الدمار والاحتياجات الفعلية.

احتياجات ملحة ودعوات للدعم

ويرى العاملون في الشأن المحلي أن المرحلة المقبلة تتطلب تدخلاً سريعاً ومنظماً من الدولة، إلى جانب دعم فاعل من المنظمات الإنسانية والدول الصديقة، لتوفير التمويل والمستلزمات اللوجستية اللازمة لإعادة إعمار دير الزور، باعتبارها محافظة منكوبة.

ويؤكد زياد العكل وفاضل كاظم أن إعادة الاستقرار الحقيقي لن تتحقق إلا بإعادة بناء الجسور والطرق، وتأهيل البنية التحتية، وتأمين فرص عمل تضمن عودة كريمة وآمنة للأهالي بعد التحرير.

بين الأمل والواقع

ورغم قسوة المشهد، لا يخفي سكان دير الزور تمسكهم بالأمل، مستندين إلى إرادة الحياة والتكافل المجتمعي.

إلا أن هذا الأمل يبقى معلقاً على تحرك جاد وسريع، يضع إعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية في صدارة الأولويات، حتى تتحول العودة إلى دير الزور من مغامرة محفوفة بالمخاطر إلى بداية حقيقية لحياة جديدة بعد سنوات من المعاناة.