يواصل آلاف النازحين في مخيم العريشة، الواقع جنوب محافظة الحسكة، مواجهة أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة، في ظل تدهور مستمر في الظروف المعيشية والصحية والتعليمية، ونقص حاد في الخدمات الأساسية والمساعدات الإغاثية، وسط غياب حلول جذرية تخفف من معاناتهم. ويضم المخيم أكثر من 7500 نسمة، غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب إفادات عدد من القاطنين نقلتها سوريا 24.
وقال أحمد محمود العبد، وهو نازح من قرية محكان التابعة لمدينة الميادين في ريف دير الزور، لـ سوريا 24، إنه اضطر للنزوح مع عائلته في تشرين الأول/أكتوبر 2017 بسبب وجود تنظيم “داعش” في مناطقهم، ليستقر منذ ذلك الحين مع أطفاله في مخيم العريشة. وأوضح أن الحياة في المخيم تزداد قسوة مع مرور الوقت، في ظل غياب مقومات العيش الكريم، مؤكدا أن الظروف المعيشية “سيئة وصعبة”، ولا تتوفر أي عوامل تساعد العائلات على الاستقرار أو تحسين أوضاعها.
وأشار العبد إلى أن المخيم يعاني من نقص كبير في مادة الخبز، إضافة إلى غياب مادة المازوت اللازمة للتدفئة خلال فصل الشتاء، موضحا أن العائلات تقيم داخل خيام لا تقي من البرد أو الأمطار. وأضاف أن مياه الأمطار تتسرب إلى داخل الخيام خلال فصل الشتاء، ما يزيد من معاناة السكان، ويجعل الحياة اليومية في المخيم أشد قسوة، خاصة في ظل انخفاض درجات الحرارة.
وفي الجانب الصحي، وصف العبد الوضع الطبي في المخيم بأنه “مأساوي”، مشيرا إلى عدم توفر الأدوية الأساسية، وغياب المراكز الطبية المجهزة أو المستشفيات القريبة القادرة على تقديم العلاج اللازم. وأكد أن السكان، وخصوصا الأطفال المصابين بأمراض مزمنة، يحتاجون إلى الأدوية بشكل دائم، في وقت لا تمتلك فيه غالبية العائلات القدرة المادية على العلاج خارج المخيم، ما ينعكس سلبا على الواقع الصحي العام، الذي وصفه بأنه “سيئ جدا”.
من جهته، قال أبو قاسم لـ سوريا 24 إن الوضع الاجتماعي في مخيم العريشة لا يقل صعوبة عن باقي الجوانب، حيث تفتقر معظم العائلات إلى مصادر دخل ثابتة، ولا تستطيع تأمين احتياجاتها اليومية الأساسية. وأوضح أن السكان باتوا يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات الإغاثية، إلا أن هذه المساعدات غير كافية ولا تسد سوى جزء بسيط من الاحتياجات الضرورية، ما يضاعف من حجم المعاناة.
وأضاف أبو قاسم أن من أكثر القضايا إلحاحا في المخيم قضية التعليم، إذ يعاني الأطفال من غياب شبه كامل للفرص التعليمية، في ظل عدم وجود مدارس أو برامج تعليمية منظمة داخل المخيم. وأكد أن حرمان الأطفال من التعليم يهدد مستقبلهم، معبرا عن أمل الأهالي بتوفير فرص تعليمية حقيقية لأبنائهم، “حتى لا يضيع مستقبلهم بسبب الظروف الصعبة التي يعيشونها”.
بدورها، قالت أم أحمد، وهي نازحة من ريف حلب وتقيم في مخيم العريشة منذ نحو ثماني سنوات، لـ سوريا 24، إنها فقدت منزلها بسبب الحرب، وتعيش حاليا كأرملة تتحمل مسؤولية إعالة أطفالها، إلى جانب معاناتها من مشاكل صحية مزمنة. وأوضحت أنها تعاني من قصور وتضخم في القلب، إضافة إلى مرض في الغدة، وكانت تعتمد في السابق على الأدوية التي يوفرها الهلال الأحمر، إلا أن هذه الأدوية انقطعت عنها منذ نحو ثلاث سنوات.
وأضافت أم أحمد أنها لا تتلقى حاليا أي دعم صحي، في ظل وضع مادي وصفته بـ “المعدوم”، ما يجعلها عاجزة عن تأمين العلاج لنفسها أو لأطفالها الذين يحتاجون بدورهم إلى رعاية صحية مستمرة. وأشارت إلى أن أوضاع المخيم ازدادت سوءا في الفترة الأخيرة، مبينة أن انسحاب “قسد” وسيطرة الجيش السوري على المنطقة لم ينعكس تحسنا ملموسا على الواقع الخدمي أو الإنساني، حيث لا تزال المساعدات شحيحة، والمعاناة مستمرة.
وأكدت أم أحمد أن المخيم يفتقر إلى أبسط مقومات الحماية من البرد، فلا تتوفر وسائل تدفئة ولا فرش كافية، موضحة أنها وأطفالها ينامون على قطعتين فقط من الإسفنج، في ظل نقص حاد في الملابس الشتوية والبطانيات. وأضافت أن البرد بات “يصل إلى العظام”، ما يزيد من معاناة العائلات، خاصة الأطفال وكبار السن والمرضى.
وختمت أم أحمد حديثها بالتأكيد على أن الأوضاع في مخيم العريشة لا تشهد أي تحسن يذكر، وأن الحياة اليومية باتت أشبه بدائرة مغلقة من المعاناة، حيث يتكرر الألم نفسه منذ الصباح وحتى نهاية كل يوم، وسط غياب الحلول واستمرار الأوضاع الإنسانية المتدهورة.