نازحو مخيمات الشمال: الشتاء يضاعف المعاناة والتدفئة عبء يفوق القدرة

حجم الخط

تتفاقم معاناة النازحين في مخيمات شمالي سوريا مع اشتداد موجات البرد، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية، وغياب وسائل التدفئة الآمنة، وارتفاع تكاليف الكهرباء، ما يضع آلاف العائلات أمام خيارات قاسية تهدد صحتها وسلامتها، خصوصًا مع استمرار السكن في خيام غير مهيأة لفصل الشتاء.

في مخيم السلامة شمالي سوريا، يشتكي أبو علي من صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية لأسرته، في ظل محدودية فرص العمل واستمرار الاعتماد على المساعدات. ويؤكد أن التدفئة باتت التحدي الأكبر خلال فصل الشتاء، مع الارتفاع الكبير في كلفة الكهرباء.

ويوضح أبو علي لموقع سوريا 24 أنه يضطر إلى استخدام مدفأة كهربائية داخل الخيمة، تفاديًا لمخاطر استخدام وسائل التدفئة التقليدية مثل الصوبيا التي تعمل على المازوت أو الحطب، والتي قد تؤدي إلى اندلاع حرائق أو حالات اختناق، خاصة في المساكن القماشية الضيقة.

ويشير إلى أنه يدفع نحو 5 ليرات تركية لكل كيلوواط، فيما يصل استهلاك عائلته إلى نحو 40 كيلوواط، ما يعني كلفة تقارب 200 ليرة تركية، في وقت يتجاوز فيه إنفاقه الأسبوعي على التدفئة أكثر من 400 ليرة تركية لتأمين الدفء لأطفاله.

ويصف أبو علي الوضع الاقتصادي بأنه “صعب جدًا”، مؤكدًا أن العائلة لا تستطيع تحقيق أي استقرار نفسي أو معيشي طالما أنها تعيش داخل خيمة، إلا أن دمار منزله يجبره على الاستمرار في المخيم رغم قسوة الظروف.

وسائل خطرة في مواجهة البرد
وفي مخيم كراج سجو بريف مدينة أعزاز شمالي حلب، لا تبدو المعاناة أقل حدّة، إذ تعيش أم أحمد، وهي أرملة تعيل خمسة أطفال، ظروفًا إنسانية قاسية مع غياب وسائل التدفئة واشتداد موجات البرد.

وتقول لموقع سوريا 24 إن هذا الشتاء يُعد من أقسى الفصول التي مرّت عليهم، خاصة بعد تساقط الثلوج مرتين متتاليتين أعقبهما هطول أمطار زادت من معاناة العائلات داخل المخيم.

وتضيف أن ضعف الإمكانات المادية يدفعها إلى البحث عن أي وسيلة لتدفئة أطفالها، ما يضطرها أحيانًا إلى حرق الملابس البالية والنايلون وفوارغ عبوات المياه، رغم ما تشكله هذه الوسائل من مخاطر صحية جسيمة.

وتشير إلى أن هذه الأساليب تسببت بانتشار أمراض الرشح والالتهابات بين أفراد أسرتها، مؤكدة أنه “لا يوجد بديل آخر في ظل غياب الدعم”.

وعود رسمية وتصريحات سابقة
في تصريحات سابقة لموقع سوريا 24، تعهّد محافظ حلب عزام الغريب بأن يكون عام 2026 عامًا بلا مخيمات في المحافظة، معتبرًا أن ملف النزوح يُعد من أولويات المرحلة المقبلة، ومشيرًا إلى العمل على حلول مستدامة تتيح عودة العائلات إلى منازلها أو تأمين بدائل سكنية لائقة.

وجاءت هذه التصريحات على هامش إطلاق حملة “حلب ست الكل”، التي أعلنت الجهات المشرفة عليها أنها نجحت في جمع 426 مليون دولار، خُصصت لإعادة تأهيل البنية التحتية في محافظة حلب، ودعم المناطق المتضررة، بما فيها مخيمات النازحين، عبر مشاريع خدمية وسكنية وتنموية.

غير أن الواقع الميداني، كما تعكسه الشهادات التي جُمعت من المخيمات، يشير إلى فجوة واضحة بين هذه الوعود والظروف اليومية التي تعيشها آلاف العائلات، لا سيما مع حلول فصل الشتاء واستمرار السكن في خيام غير مؤهلة.

وعود تنتظر الترجمة
وتُظهر هذه الشهادات أن المخيمات، التي أُنشئت في الأصل كحلول مؤقتة خلال سنوات الحرب، تحوّلت مع مرور الوقت إلى تجمعات سكنية شبه دائمة، تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، في وقت لم يلمس فيه السكان تحسنًا ملموسًا على صعيد العودة أو إعادة الإعمار.

ويرى مراقبون أن إنهاء ملف المخيمات لا يمكن أن يتحقق عبر التصريحات أو الحملات وحدها، بل يتطلب مقاربة شاملة تربط بين إعادة إعمار المنازل المتضررة، وتأمين سكن بديل، وخلق فرص عمل، ومعالجة الملفات القانونية والأمنية، خاصة في ظل الدمار الكبير الذي شهدته قرى وبلدات مدينة حلب وريفها الشمالي والغربي، فضلًا عن مختلف المناطق السورية، ما يوجب على المجتمع الدولي التحرك إلى جانب الجهود الحكومية للمساهمة في إعادة الإعمار وإعادة النازحين داخليًا والمهجرين خارجيًا.