يعيش عمار الأحمد، طفل في الرابعة عشرة من عمره، في قرية حويجة السوافي على ضفاف نهر الفرات، حيث لم يعد النهر مجرد مورد رزق بسيط، بل تحوّل إلى شريان حياة أساسي لأهالي المنطقة في ظل الظروف الإنسانية والمعيشية الصعبة.
قبل الأحداث الأخيرة، كان عمار يعمل على قارب صغير يُقدّم من خلاله جولات نهرية للزوار، معتمدًا على هذا العمل لمساعدة عائلته وتأمين احتياجاته اليومية.
غير أن تدمير الجسور على نهر الفرات غيّر شكل الحياة كليًا، وفرض واقعًا جديدًا على السكان، بعدما وجد الأهالي أنفسهم معزولين بين ضفتي النهر، غير قادرين على الوصول إلى أعمالهم أو مدارسهم أو حتى أقاربهم.
في تلك اللحظة، لم يتردد عمار في تحويل قاربه الصغير إلى وسيلة نقل أساسية بين ضفتي النهر، ليصبح أحد الحلول القليلة المتاحة أمام السكان. فبات ينقل الأهالي من ضفاف نهر الفرات في مدينة الرقة إلى ريفها الجنوبي، الذي يضم عددًا من القرى، أبرزها الكسرات، رطلة، والعكيرشي، مُمكّنًا إياهم من قضاء احتياجاتهم اليومية والوصول إلى أماكن عملهم.
يستعيد عمار تلك المرحلة قائلًا:
“لما انكسرت الجسور، ما عاد في طريق غير النهر، حسّيت إنو لازم نساعد الناس قد ما نقدر.”
ومنذ ذلك الحين، بات يعمل يوميًا على نقل الأهالي، متحديًا مخاطر النهر وتقلبات الطقس، ومتحمّلًا مسؤولية تفوق عمره بكثير.
“اللي ما معه مصاري بنقله ببلاش… الناس تعبانة”
ورغم صغر سنه، يتحلّى عمار بحسّ إنساني واضح، إذ لا ينظر إلى عمله كمصدر دخل فقط، بل كواجب تجاه أبناء منطقته.
يقول:“نأخذ خمس آلاف ليرة، واللي ما عنده مصاري ننقله ببلاش، الناس تعبانة وكلها متضررة.”
هذا السلوك جعله محل تقدير واحترام واسع بين الأهالي، الذين يرون فيه نموذجًا للتكافل الاجتماعي في زمن الأزمات.
عمل عمار ليس سهلًا، فقيادة قارب صغير في نهر واسع مثل الفرات تتطلب شجاعة وخبرة، خاصة في ظل التيارات القوية والمخاطر المحتملة.
ورغم ذلك، يؤكد أنه اعتاد على النهر منذ طفولته، ويقول:
“أنا تربّيت هون، بعرف النهر ومخاطره، وبحاول دايمًا كون حذر.”
ومع كل رحلة، يدرك أن سلامة الركّاب مسؤولية كبيرة تقع على عاتقه.
عمار وحلم العودة إلى سفينة التعليم
قصة عمار ليست حالة فردية، بل تعكس واقع عمالة الأطفال المتفاقم في سوريا. فبحسب تقارير صادرة عن اليونيسف ومنظمة العمل الدولية، تُعدّ عمالة الأطفال من أخطر التداعيات الاجتماعية والإنسانية للأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من عقد.
وتشير تقديرات أممية إلى وجود نحو 2.45 مليون طفل خارج العملية التعليمية داخل البلاد، وهو ما يُعدّ أحد أبرز العوامل التي تدفع الأطفال إلى دخول سوق العمل في سن مبكرة.
ورغم غياب إحصاء وطني شامل وحديث حول عمالة الأطفال في سوريا، تفيد تقديرات غير رسمية مستندة إلى مسوحات إنسانية وتقارير ميدانية بأن عدد الأطفال المنخرطين في سوق العمل قد يصل إلى نحو خمسة ملايين طفل، يعمل جزء كبير منهم في أعمال خطرة تهدّد صحتهم الجسدية والنفسية وتحرمهم من حقهم في التعليم والحماية.
ورغم انخراطه اليومي في العمل، لا يزال حلم التعليم حاضرًا بقوة في ذهن عمار، فقد اضطر إلى ترك المدرسة بسبب الظروف الأمنية والمعيشية، لكنه لم يفقد الأمل بالعودة إليها.
يقول بثقة:”بعد ما رجعت المدارس لإدارة الحكومة السورية، صرت قادر أرجع على الدراسة، وما بدي ضل بعيد عنها.”
ويرى في ختام حديثه أن التعليم هو الطريق الوحيد لبناء مستقبل أفضل له ولعائلته، بعيدًا عن قسوة العمل المبكر.
