طرطوس: الهجرة غير الشرعية بين شبكات التهريب ومخاطر البحر

حجم الخط

تعود قضية الهجرة غير الشرعية عبر البحر إلى واجهة المشهد في محافظة طرطوس، بعد إعلان قوات خفر السواحل السورية ضبط شبكة تهريب أشخاص كانت تُحضّر لنقل مجموعة من الركاب باتجاه قبرص بطرق غير نظامية، في واحد من أخطر المسارات البحرية التي شهدت خلال السنوات الماضية عشرات الحوادث المميتة.

وجاءت العملية بعد متابعة ورصد دقيقين لتحركات الشبكة، حيث جرى استدراج القارب ومحاصرته في عرض البحر أثناء محاولته الفرار، ما أدى إلى اصطدامه بالصخور.

وأسفر الحادث عن إصابة سائق القارب، الذي تم إسعافه قبل توقيفه أصولاً، إلى جانب إلقاء القبض على جميع المتورطين، بمن فيهم منظمو الرحلة.

سواحل مفتوحة على المخاطر

تُعدّ سواحل طرطوس من أبرز نقاط الانطلاق لمحاولات الهجرة غير الشرعية بحكم موقعها الجغرافي، وقربها النسبي من السواحل القبرصية، ما يجعلها هدفاً دائماً لشبكات تهريب الأشخاص.

غير أن هذه الرحلات، التي تُسوَّق غالباً على أنها “فرصة أخيرة” للخروج، تنطوي على مخاطر جسيمة، في ظل قوارب غير مجهّزة، وأحوال بحرية متقلبة، وغياب أي ضمانات للسلامة.

وحسب عدد من أبناء طرطوس، تستغل شبكات التهريب حاجة بعض المواطنين أو رغبتهم في الهجرة السريعة، مقابل مبالغ مالية كبيرة، دون الاكتراث بمصير الركاب أو سلامتهم، ما يحوّل البحر إلى مسرح مفتوح للمجازفة بالأرواح.

أسئلة الدوافع: الاقتصاد أم ما بعده؟

تطرح كل عملية إحباط جديدة تساؤلات متجددة حول الأسباب الحقيقية التي تدفع بعض المواطنين إلى المخاطرة بحياتهم في رحلات بحرية غير شرعية. فهل تعود هذه المحاولات بالدرجة الأولى إلى ضغوط اقتصادية ومعيشية، كغياب فرص العمل وضعف الدخل وارتفاع تكاليف الحياة؟ أم أن ثمة عوامل أخرى، داخلية أو خارجية، تُسهم في تغذية هذه الظاهرة؟

في هذا السياق، يرى بعض السكان أن الأوضاع المعيشية تبقى عاملاً ضاغطاً لدى شريحة من الشباب، في ظل محدودية فرص العمل وتآكل القدرة الشرائية، ما يدفع بعضهم إلى البحث عن بدائل خارج البلاد، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر.

في المقابل، يذهب آخرون إلى اعتبار أن شبكات التهريب تلعب دوراً مركزياً في تضخيم “وهم الخلاص السريع”، عبر وعود غير واقعية بحياة أفضل في الضفة الأخرى من المتوسط.

الظروف الصعبة ليست الدافع

من جهته، قدّم أحمد الجنيدي، أحد سكان طرطوس في حديث لمنصة سوريا 24، قراءة مغايرة لدوافع الهجرة غير الشرعية، معتبراً أن “الظروف الاقتصادية الصعبة ليست الدافع الأساسي لمن يحاولون الهروب بحراً”، على حد تعبيره.

وقال الجنيدي إن “الذين يعانون من ضيق المعيشة ما زالوا صامدين، يتأملون تحسّن الأوضاع”، مشيراً إلى أن بعض محاولات الهجرة تعود، برأيه، إلى محاولات للهروب من المساءلة القانونية، وليس بحثاً عن لقمة العيش.

وفي حديثه عن شبكات التهريب، وصف الجندي المهرّبين بأنهم “مدفوعون بالطمع وتحقيق أرباح غير مشروعة”، مؤكداً أن هذه الشبكات “لا تعبأ بالقانون ولا بأرواح الناس”، وأنها تستغل أي فرصة لتوسيع نشاطها، مهما كانت الكلفة الإنسانية.

بين فقدان الأمل والتحريض الخارجي

وتبقى مسألة فقدان الأمل بتحسّن الأوضاع في الداخل من أكثر النقاط إثارة للجدل في نقاش الهجرة غير الشرعية. فبينما يرى بعض المواطنين أن طول أمد الأزمات يدفع إلى اليأس والبحث عن مستقبل في الخارج، يرفض آخرون هذا الطرح، معتبرين أن الهجرة غير النظامية ليست حلاً، وأنها قد تقود إلى مصير مجهول أو مأساوي.

كما لا يُستبعد دور العوامل الخارجية، سواء عبر شبكات التواصل أو سماسرة التهريب، في تشجيع هذه المحاولات من خلال الترويج لصورة وردية عن الوصول إلى أوروبا، مقابل التعتيم على المخاطر الحقيقية، من الغرق أو الاحتجاز أو الترحيل، حسب الجنيدي.

تشديد أمني وتحذير مستمر

وفي ضوء تكرار هذه المحاولات، تؤكد الجهات المعنية استمرارها في تشديد الرقابة على السواحل، وملاحقة شبكات التهريب، في إطار الحد من الظاهرة وحماية الأرواح.

وترافق ذلك دعوات متكررة للمواطنين بعدم الانجرار وراء وعود المهرّبين، والإبلاغ عن أي نشاط مشبوه، تفادياً لمآسٍ جديدة في عرض البحر.

وبينما تتواصل الجهود الأمنية، تبقى قضية الهجرة غير الشرعية من طرطوس ملفاً مفتوحاً على أسئلة اقتصادية واجتماعية وأمنية معقّدة، تتطلب مقاربات شاملة تتجاوز المعالجة الأمنية، نحو معالجة جذور الظاهرة والحد من أسبابها، قبل أن يتحول البحر مرة أخرى إلى شاهد على فواجع جديدة.