بعد أشهر من الوعود بتثبيت الكوادر وصرف الرواتب المتأخرة، أعلنت المنطقة الصحية في مدينة أعزاز إغلاقها الكامل احتجاجاً على ما وصفته بحالة التهميش والإهمال المستمر من قبل وزارة الصحة ومديرية صحة حلب، في خطوة تصعيدية تعكس عمق الأزمة التي تعيشها المؤسسات الخدمية في المنطقة.
ويأتي هذا الإغلاق في ظل تعثر واضح لجهود دمج مؤسسات أعزاز ضمن الهيكلية الرسمية، إذ لم تقتصر حالة الشلل الإداري والمالي على القطاع الصحي، بل طالت منظومة الإسعاف والبلدية والمكتب الرياضي والمركز الثقافي ودوائر خدمية أخرى، حيث لم يتقاضَ العاملون فيها رواتبهم منذ أشهر، وسط غياب أي حلول عملية.
وأكدت إدارة المنطقة الصحية في بيان لها أن الإغلاق سيستمر إلى حين صرف كامل الرواتب المستحقة، وتأمين الكلفة التشغيلية، وتعديل الأجور بما يتناسب مع الواقع المعيشي، إلى جانب اتخاذ قرار جدي تتحمل فيه مديرية الصحة مسؤولياتها تجاه المنطقة الصحية في أعزاز.
وفي حديث لسوريا 24، قال الطبيب مهند قبطور، رئيس المنطقة الصحية في مدينة أعزاز، إن المنطقة كانت حتى شهر تشرين الثاني الماضي تتبع للمجلس المحلي، ومع حلّ المجالس المحلية وانتقال التبعية إلى المحافظة، جرى وعد الموظفين بتثبيتهم وصرف رواتبهم.
وأضاف: “المحافظة صرفت راتبين فقط، ثم توقفت الرواتب بشكل كامل، ومنذ تموز الماضي لم نتقاضَ أي مستحقات، رغم توقيع بعض الموظفين عقوداً جديدة دون وضوح قيمة الرواتب أو موعد صرفها”.
وأوضح قبطور أن الأزمة لا تقتصر على الرواتب، بل تشمل توقف الكلفة التشغيلية بالكامل، مشيراً إلى أن المنطقة الصحية كانت تعتمد سابقاً على رسوم رمزية تُحصَّل من شهادات الولادة والوفاة لتغطية جزء من النفقات التشغيلية، إلا أن مديرية الصحة منعت هذا الإجراء باعتباره غير قانوني حالياً، ما أفقد المنطقة أي مصدر تمويل، وأدى إلى عجز كامل عن تسيير العمل أو دفع أجور العاملين.
وبيّن أن الواقع الصحي في أعزاز يعاني نقصاً حاداً في الكوادر، حيث لا يوجد سوى طبيب واحد، إلى جانب أربعة عاملين يحملون شهادات تخصصية، اثنان في التمريض، وفني تخدير، وفني أشعة، بينما بقية العاملين من الفئة الثالثة، ما يجعل إعادة ترميم الكادر الطبي أمراً بالغ الأهمية. وأضاف أن رواتب العاملين متدنية للغاية، إذ لا يتجاوز راتبه الشخصي 800 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 70 دولاراً.
وحول ملف الدمج، أكد قبطور أنه “لا يوجد أي دمج حقيقي حتى الآن”، مشيراً إلى أن وزارة الصحة ومديرية صحة حلب لم تتحملا مسؤولية إدارة المراكز أو تأمين مستلزماتها، رغم أن 29 مركزاً صحياً تعود ملكيتها للدولة، لا يخضع للإدارة المباشرة للمنطقة الصحية منها سوى ثلاثة مراكز فقط. وأضاف أن هناك مراكز جاهزة للتشغيل، مثل مركز أحرص والشيخ عيسى، وأخرى قيد التجهيز كبيانون، لكنها لا تزال خارج الخدمة بسبب غياب القرارات والدعم.
وأشار رئيس المنطقة الصحية إلى حالة الغموض والفوضى التي تهيمن على المشهد، قائلاً: “لا نملك أي إجابات للموظفين المنقطعين عن العمل، ولا نعرف متى ستُعاد المراكز المتوقفة إلى الخدمة أو متى سيتم الدمج. طرقنا جميع الأبواب من المحافظة إلى الوزارة والمديرية، ووصل صوتنا إلى مستويات عليا، دون أي نتيجة”.
بعد حلّ المجالس المحلية، تولّت المحافظة صرف رواتب الموظفين بشكل مؤقت، إلى حين إلحاق كل مكتب بالمؤسسة الرسمية التي يتبع لها. وبما أن المكتب الطبي كان سابقاً تابعاً للمجلس المحلي، فقد انتقلت مسؤولية الرواتب إلى المحافظة، على أن يستمر ذلك إلى حين دمجه رسمياً ضمن مديرية الصحة.
ومع بداية العام الحالي، جرى دمج المكتب الطبي فعلياً بمديرية الصحة، وتم توقيع العقود مع الكوادر، وكان من المفترض أن تُصرف الرواتب سواء من قبل المحافظة قبل إتمام الدمج، أو من المؤسسة الجديدة بعده. إلا أن الواقع، بحسب العاملين، أظهر فراغاً كاملاً في المسؤولية، إذ لم تُصرف الرواتب لا من الجهة السابقة ولا من المؤسسة التي جرى الاندماج بها، وسط غياب أي متابعة أو مساءلة.
جاء رد مديرية الصحة على مطالب الكادر الصحي بالدعوة إلى “الصبر”، فيما أبلغت المحافظة الموظفين بأن رواتبهم قد ارتفعت، إلا أن أكثر من 20 يوماً مضت على هذا الوعد دون أن ينعكس أي تغيير فعلي على أرض الواقع.
ويحذر العاملون في القطاع الصحي من أن استمرار هذا الواقع ينذر بتفاقم الأزمة الصحية في مدينة أعزاز ومحيطها، ويهدد بتوقف ما تبقى من خدمات طبية أساسية، في منطقة تعاني أصلاً من ضعف البنية الصحية وارتفاع الاحتياجات الإنسانية.