في ريف مدينة الشدادي جنوب محافظة الحسكة، يقف تل عجاجة بوصفه أحد أبرز المعالم الأثرية في المنطقة، إلا أن هذا الموقع، الذي يحمل في طبقاته تاريخًا عريقًا، بات اليوم عرضة لأعمال حفر واسعة تركت آثارًا عميقة على بنيته، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات ذلك على الأهالي ومحيط التل.
ويؤكد أبناء المنطقة أن التل كان يشكل شاهدًا حضاريًا مهمًا، إذ تعاقبت عليه فترات تاريخية متعددة، قبل أن تبدأ عمليات التنقيب غير المنظم خلال سنوات النزاع. ويشيرون إلى أن أولى موجات الحفر المكثف جاءت خلال فترة سيطرة تنظيم “داعش”، حيث أُجريت أعمال تنقيب عشوائية دون أي إشراف أثري متخصص.
وقال محمود، وهو من أبناء المنطقة، في تصريح لـ”سوريا 24”، إن تل عجاجة “يُعد من أهم المواقع الأثرية في محيط الشدادي، وهو معلم يعكس تاريخ المنطقة وهويتها”، مضيفًا أن عمليات الحفر خلال فترة سيطرة التنظيم أسفرت عن استخراج عدد كبير من القطع الأثرية، إلى جانب كميات من الذهب.
وأوضح محمود، في تصريحه لـ”سوريا 24”، أن “الغاية من تلك الأعمال كانت واضحة، وهي الاستحواذ على ما يمكن نهبه من آثار ومقتنيات تاريخية، ولا سيما في الفترة التي سبقت انسحابهم من المنطقة”، لافتًا إلى أنه جرى آنذاك اكتشاف قطعة أثرية على شكل أسد، اعتُبرت من أبرز اللقى التي تؤكد القيمة التاريخية الكبيرة للتل.
وبحسب محمود، لم تتوقف أعمال الحفر بعد تغير السيطرة، إذ فُرض طوق على الموقع في مرحلة لاحقة، ومُنع الأهالي من الوصول إليه، مع استمرار استخدام أجهزة يُعتقد أنها مخصصة للكشف عن المعادن، إلى جانب الاستعانة بآليات ثقيلة أدت إلى توسيع الحفر وتعميقه.
وأكد أن التل “تحول بفعل تلك الأعمال إلى مساحة مليئة بالخنادق والأنفاق، بعدما جرى تجريف أجزاء واسعة منه”، مشيرًا إلى أن التنقيب لا يزال مستمرًا حتى بعد سيطرة الجيش السوري على المنطقة منذ منتصف شهر كانون الثاني/يناير 2026، ما يفاقم حجم الأضرار اللاحقة بالموقع.
من جانبه، قال جمال، وهو من أبناء المنطقة أيضًا، في تصريح لـ”سوريا 24”، إن تل عجاجة “كان يمثل قيمة تاريخية كبيرة، إلا أن ما تعرض له من تخريب وحفر عشوائي أفقده كثيرًا من ملامحه الأصلية”. وأضاف أن وجود أنفاق وخنادق محفورة بعمق داخل التل “يزيد من احتمالية الانهيارات، وهو ما يشكل خطرًا مباشرًا على الأهالي القاطنين في محيطه”.
وأشار جمال إلى أن التل يجاور مقبرة كان الأهالي في القرى المجاورة يدفنون موتاهم فيها، إلا أنهم مُنعوا في الفترات الأخيرة من الوصول إليها. كما تحدث عن مقبرة قديمة ظهرت بعد جفاف بحر العريشة، موضحًا أنها “تعود إلى آلاف السنين وفق ما يتناقله الأهالي”، لكنها تعرضت بدورها لأعمال حفر أزالت محتوياتها من لقى ومقتنيات يُعتقد أنها ذات قيمة تاريخية.
ويرى أبناء المنطقة أن تل عجاجة كان من الممكن أن يتحول إلى نقطة جذب ثقافي وسياحي تُعرّف بتاريخ المنطقة وتسهم في تنشيط الحركة البحثية والاقتصادية، غير أن استمرار التنقيب غير المنظم حوّل الموقع إلى مساحة مهددة بالانهيار، ومثالًا صارخًا على حجم الخسائر التي تطال الإرث الثقافي.
ويطالب المتحدثون، عبر “سوريا 24”، بضرورة وقف أعمال الحفر فورًا، وفتح تحقيق شامل حول ما جرى في الموقع خلال السنوات الماضية، مؤكدين أن حماية الآثار تمثل مسؤولية وطنية، وأن الحفاظ على تل عجاجة وغيره من المواقع الأثرية واجب لضمان بقاء هذا التاريخ حيًا في ذاكرة الأجيال القادمة.
