الشبكة السورية تحذر من إلغاء متسرع لـ “فروغ” المحال التجارية

حجم الخط

أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اليوم الثلاثاء، تقريراً موسعاً تناول ظاهرة “الفروغ” في المحال والعقارات التجارية، بوصفها نتيجة مباشرة لاختلال بنيوي رافق قوانين الإيجار الاستثنائية في سوريا منذ منتصف القرن العشرين، ولا سيما نظام التمديد الحكمي الذي حوّل عقد الإيجار إلى علاقة شبه دائمة، وجرّد المالك عملياً من حقوق الاستعمال والاستغلال والتصرف، مقابل بدلات إيجار متدنية.

التقرير، الذي حمل عنوان “الفروغ في المتاجر السورية: معالجة إرث التمديد الحكمي ضمن إطار العدالة الانتقالية لحقوق السكن والأرض والملكية”، حذّر من أي مقاربة متسرعة لإلغاء “الفروغ” في ظل التغيرات السياسية الجارية وتشكيل لجنة رسمية لمراجعة التشريعات.

وأكد أن معالجة الملف خارج إطار وطني شامل قد تفضي إلى ظلم جديد بحق من دفعوا مبالغ مرتفعة استناداً إلى استقرار قانوني سابق.

“الفروغ” كحل عرفي لاختلال تشريعي

وبحسب التقرير، نشأ “الفروغ” كحل عرفي لتعويض المستأجرين عن القيود المفروضة على الملكية بموجب التمديد الحكمي، ما أوجد واقعاً قانونياً واقتصادياً خاصاً: للمستأجر حق اقتصادي فعلي في المتجر، في حين تبقى ملكية الرقبة للمالك.

هذا التوازن غير المعلن شكّل، على مدى عقود، آلية عملية لضبط العلاقة بين الطرفين في ظل قوانين قيّدت حق المالك وأبقت الأجرة منخفضة.

وتبرز أهمية هذا الملف حالياً مع تصاعد الجدل حول “إلغاء الفروغ” ضمن أعمال لجنة وزارة العدل لعام 2025، إذ شدد التقرير على ضرورة نقاش قانوني متأنٍ يحقق العدالة ويحمي حقوق جميع الأطراف، دون إحداث صدمة قانونية أو اقتصادية في السوق.

ودعا إلى إدماج القضية ضمن سياسة وطنية شاملة لحقوق السكن والأرض والملكية، تقوم على الاعتراف بوظيفة «الفروغ» التعويضية، واعتماد آليات مرنة للإثبات تراعي واقع التوثيق الضعيف الذي ساد لعقود، وتحقيق توازن عادل بين المالكين والمستأجرين.

منهجية قانونية وميدانية

اعتمد التقرير منهجية مركبة جمعت بين تحليل قانوني شامل لتشريعات الإيجار السورية منذ عام 1943، وعمل ميداني تشاوري شمل مقابلات مع تجار وشاغلين في عدة محافظات، مدعوماً ببيانات حقوقية ورصد إعلامي ومقارنة قانونية، بهدف الخروج بتوصيات قابلة للتطبيق تراعي الخصوصية السورية وتعقيدات المرحلة الانتقالية.

خلفية تاريخية: الملكية كأداة سياسية

وخصص التقرير تمهيداً تاريخياً وسياسياً لقضايا السكن والأرض والملكية في سوريا، موضحاً أن الملكية استُخدمت منذ بدايات الدولة الحديثة أداةً سياسية، بدءاً من المصادرات التي أعقبت انهيار الدولة العثمانية، مروراً بقوانين التمديد الحكمي والتأميم والإصلاح الزراعي.

كما تناول مرحلة حكم عائلة الأسد، التي شهدت تراكم تشريعات مقيّدة للملكية، ولا سيما بعد عام 2000، وصولاً إلى ذروتها بعد عام 2011 عبر حزمة قوانين عمرانية وأمنية استُخدمت لمصادرة أملاك المعارضين والنازحين والمختفين قسرياً، بينها المرسوم 66 والقانون 10 وقوانين مكافحة الإرهاب.

وأشار التقرير إلى أن نظام السجل العقاري جرى تفريغه من مضمونه بفعل الأحكام العرفية والغموض القانوني، ما أضعف الثقة بالضمانات القانونية.

وفي مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، رصد التقرير محاولات جزئية لمعالجة الغصب العقاري، مقابل غياب مقاربة وطنية شاملة، ما أفرز مشكلات مستجدة. واعتبر أن ملف “فروغ” المتاجر يندرج ضمن هذا الإرث التشريعي المعقّد الذي يتطلب معالجة انتقالية دقيقة.

التمديد الحكمي: خلل بنيوي ممتد

وفي استعراضه للإطار القانوني، بيّن التقرير التناقض بين أحكام القانون المدني لعام 1949، التي أخضعت الإيجار لإرادة المتعاقدين، وبين القوانين الاستثنائية التي فرضت التمديد الحكمي وقيّدت هذا المبدأ.

وتميّز المسار التشريعي بمرحلتين رئيسيتين:

الأولى (1943–2001): شهدت تكريس التمديد الحكمي عبر قوانين مؤقتة، أبرزها القانون 26 لعام 1943 والقانون 464 لعام 1949، وصولاً إلى المرسوم التشريعي 111 لعام 1952 الذي شكّل أساس الخلل البنيوي، عبر تحويل الإيجار إلى علاقة شبه دائمة، وتخفيض بدلات الإيجار، وتقييد الإخلاء، وتحديد نسب أجور متدنية. وعززت تعديلات لاحقة هذا الواقع، لا سيما المراسيم 24 لعام 1965 و187 لعام 1970 و13 لعام 1971، التي أبقت الأجور منخفضة لعقود طويلة.

الثانية (بعد 2000): اتسمت بمحاولات معالجة آثار التمديد الحكمي دون المساس بالعقود القديمة، عبر قوانين 6 لعام 2001 و10 لعام 2006 و32 لعام 2011 و20 لعام 2015. أعادت هذه القوانين العقود الجديدة إلى مبدأ حرية التعاقد، لكنها أبقت المتاجر والعقود القديمة خاضعة للتمديد الحكمي، مع إقرار آليات لإنهاء العلاقة الإيجارية مقابل تعويضات مالية للمستأجرين، وتنظيم بيع المتاجر ومنح المالك حقوق الأفضلية ونسباً من ثمن البيع.

وخلص التقرير إلى أن هذا التدخل التشريعي الممتد أخلّ بحقوق المالكين، وشوّه سوق العقارات، وأنتج أوضاعاً قانونية معقّدة ما تزال آثارها قائمة.

خصوصية المتاجر ومكانة “الفروغ”

وشدد التقرير على خصوصية المتاجر في القانون السوري، مؤكداً عدم جواز مساواتها بسائر العقارات الخاضعة للتمديد الحكمي. فالمتجر، وفق قانون التجارة، كيان مستقل عن العقار، يضم عناصر مادية ومعنوية في مقدمتها حق الاستئجار والسمعة التجارية والزبائن، وقد تتجاوز قيمته الاقتصادية قيمة العقار ذاته.

ورغم إدخال تنظيم موسّع للمتجر في قانون التجارة رقم 33 لعام 2007 وإنشاء سجل للمتاجر، إلا أن تأخر التعليمات التنفيذية وضعف التطبيق حالا دون ترسيخ الفكرة عملياً، ما أدى إلى استمرار الخلط بين ملكية المتجر والقيود الضريبية.

ولفت التقرير إلى أن قوانين الإيجار، منذ القانون المدني، اعترفت صراحة بحق مستأجر المتجر في بيع متجره كاملاً ولو خلافاً لشروط منع التنازل، حفاظاً على استمرارية المشروع التجاري، وهو ما كرّسته القوانين الاستثنائية اللاحقة مع منح المالك حق طلب تخمين الأجرة. كما جاء القانون رقم 20 لعام 2015 لينظم العلاقة بوضوح، مانحاً المالك حق الأفضلية أو تقاضي 10% من ثمن البيع، ومكرساً عملياً «الفروغ» كهامش ربح مشروع.

وفي ظل هذا الإطار، تشكلت علاقة خاصة بين المالك والمستأجر، قوامها علم الطرفين بإمكانية التنازل والبيع، ما أدى إلى دفع فروغ مرتفعة عند الإيجار الأول، غالباً دون توثيق رسمي، مقابل استقرار قانوني للمستأجر وتحقيق منافع اقتصادية متبادلة فرضتها قوانين التمديد الحكمي وواقع الأسواق.

دعوة إلى معالجة انتقالية متوازنة

في خلاصة تقريرها، شددت الشبكة السورية لحقوق الإنسان على أن ملف “الفروغ” لا يمكن فصله عن إرث تشريعي طويل أخلّ بالتوازن بين حق الملكية والاعتبارات الاجتماعية، داعية إلى مقاربة انتقالية شاملة تعترف بالحقوق المكتسبة وتؤسس لإصلاح قانوني تدريجي يضمن العدالة والاستقرار، دون خلق نزاعات جديدة أو تعميق هشاشة السوق العقارية في مرحلة دقيقة من التحول السياسي.