أظهر تقرير صادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، ومقرّه لندن، أن ميزان القوى العسكري والسياسي في سوريا شهد تحولاً حاسماً خلال فترة قصيرة لصالح السلطات الجديدة في دمشق، مع بدء تنفيذ اتفاق 30 كانون الثاني/يناير 2026، الذي يمهّد لإنهاء سيطرة القوات الكردية على مناطق شمال شرق البلاد.
ويرى التقرير أن هذا التحول جاء نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها أخطاء في تقدير الموقف من قبل القوة الكردية الرئيسية، واستفادة دمشق من المتغيرات الإقليمية والدولية، إلى جانب تحوّل في السياسة الأمريكية باتجاه دعم نموذج الحكم المركزي في سوريا.
ويشير التقرير إلى أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الحكومة السورية على تثبيت سيطرتها عبر أدوات سياسية وإدارية واقتصادية، وليس فقط من خلال التفوق العسكري.
الطريق إلى المواجهة
بحسب التقرير، حصلت القيادة الجديدة في دمشق منذ وصولها إلى السلطة في كانون الأول/ديسمبر 2024 على اعتراف إقليمي ودولي متزايد، إضافة إلى رفع العقوبات الغربية، إلا أن هذه المكاسب لم تنعكس سريعاً على إعادة الإعمار أو التعافي الاقتصادي، نتيجة استمرار وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة في عدة مناطق.
وكانت (قسد) تمثل أبرز هذه القوى، حيث حافظت حتى نهاية عام 2025 على سيطرة واسعة في شمال شرق سوريا، بما في ذلك مناطق غنية بالنفط والموارد الطبيعية، إضافة إلى حصولها منذ عام 2014 على دعم عسكري أمريكي في إطار الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
ويؤكد التقرير أن الخلاف بين دمشق وقسد لم يكن عسكرياً فقط، بل امتد إلى اختلافات عميقة في الهوية السياسية والرؤية المستقبلية للدولة السورية، بين مشروع مركزي تدعمه دمشق ونموذج لامركزي أو فيدرالي سعت إليه القوى الكردية.
تحوّل السياسة الأمريكية
يشير التقرير إلى أن قسد اعتمدت لسنوات على الدعم الأمريكي كعامل توازن في مواجهة الضغوط الإقليمية، إلا أن التحولات الدولية دفعت واشنطن تدريجياً إلى تفضيل وجود سلطة مركزية قوية يمكن الاعتماد عليها لإدارة الملف السوري.
ورغم اعتقاد القيادة الكردية أن دعمها الغربي سيستمر بعد التغييرات السياسية في دمشق، فإن الولايات المتحدة وشركاءها الإقليميين اتجهوا نحو دعم الاستقرار عبر مؤسسات الدولة المركزية، معتبرين أن مطالب قسد أصبحت غير منسجمة مع التحولات الإقليمية.
ولعب المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا دوراً في بناء توافق إقليمي، شاركت فيه تركيا والسعودية، لدعم إعادة توحيد السلطة السياسية تحت إدارة دمشق.
إعادة تشكيل موازين القوة
يوضح التقرير أن موازين القوة بدأت تميل تدريجياً لصالح الحكومة السورية نتيجة تراجع الثقة المحلية بقسد، فقد ساهمت الاعتقالات المثيرة للجدل داخل بعض المجتمعات السنية، إلى جانب تصاعد هجمات تنظيم الدولة الإسلامية مطلع عام 2024، في إضعاف صورتها الأمنية.
ورغم تقديم نفسها غربياً كنموذج حكم ديمقراطي، واجهت قسد انتقادات بسبب تضييقها على تيارات سياسية مؤيدة لوحدة سوريا. ومع تزايد الاستياء من الأداء الاقتصادي والإدارة المحلية، لم يُبدِ عدد متزايد من السوريين — عرباً وأكراداً — رغبة في تفويت فرص الاستقرار الاقتصادي التي رُبطت بعودة مؤسسات الدولة.
ويشير التقرير إلى أنه رغم التكافؤ العسكري الظاهري، بدت القوات الحكومية أكثر تماسكاً وتنظيماً، حيث تمكنت دمشق من استمالة قبائل عربية وإضعاف البنية العسكرية لقسد، مستفيدة من التوترات الداخلية الناتجة عن محدودية مشاركة غير الأكراد في مواقع القيادة العسكرية.
تراجع الدعم الدولي لقسد
بحسب التقرير، لم تنجح محاولات قسد في حشد دعم دولي واسع خلال المواجهات الأخيرة، إذ انصبّ اهتمام المجتمع الدولي على أزمات عالمية أخرى، بينما أبدت غالبية الدول دعماً لاتجاه دمشق نحو إعادة المركزية السياسية.
كما أسهمت الانقسامات داخل الساحة الكردية في إضعاف موقف قسد، مع عودة أطراف كردية منافسة إلى المشهد السياسي ودخول وساطات إقليمية بين الجانبين.
اتفاق 30 كانون الثاني 2026
أنهى اتفاق وقف إطلاق النار القتال المباشر، لكنه أوجد ترتيبات أمنية معقّدة تجمع بين عناصر مركزية ومحلية. ويشير التقرير إلى أن الاتفاق يتضمن قدراً من الغموض قد يؤدي إلى تحديات مستقبلية نتيجة استمرار انعدام الثقة بين الطرفين.
وكانت أبرز نقاط الخلاف تتعلق بآلية دمج قوات قسد داخل المؤسسات الأمنية السورية، حيث فضّلت دمشق دمج المقاتلين بشكل فردي ضمن مؤسسات الدولة، مقابل رغبة قسد بالحفاظ على بنيتها العسكرية.
وينص الاتفاق على استمرار وحدات أمن داخلي محدودة في بعض المناطق بالتنسيق مع وزارة الداخلية السورية، إلا أن التطبيق الميداني ما يزال يواجه صعوبات.
تحديات المرحلة المقبلة
يرى التقرير أن أحد أبرز التحديات أمام الحكومة يتمثل في نقص الكوادر الأمنية الم
وثوقة بأعداد كافية لإدارة مناطق واسعة، ما دفعها إلى الاعتماد مؤقتاً على مجموعات محلية في حماية المنشآت الحيوية وحقول النفط.
كما يشير إلى أن بناء الثقة مع المجتمع الكردي سيحتاج إلى وقت، ويتطلب الحفاظ على الانضباط الأمني ومنع أعمال الانتقام، إضافة إلى التفكير في تقاسم عائدات الموارد وتعزيز الإدارة المحلية.
تداعيات وطنية أوسع
ويخلص التقرير إلى أن طريقة تعامل دمشق مع شمال شرق سوريا ستكون عاملاً حاسماً في استقرار البلاد ككل، إذ إن نجاح المقاربة السياسية سيُسهم في طمأنة مكونات أخرى داخل سوريا، بينما قد يؤدي أي تصعيد إلى تعقيد العلاقات الداخلية والخارجية.
ويؤكد المعهد أن طموحات الحكومة في جذب الاستثمار والاندماج الإقليمي تبقى مرتبطة بقدرتها على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، مشيراً إلى أن التنمية الاقتصادية لن تكون ممكنة دون بيئة مستقرة على امتداد الحدود السورية.