بعد مرور أكثر من عام على تحرير سوريا، لا تزال مدينة تدمر في ريف حمص الشرقي تعيش واقعًا خدميًا مترديًا، وسط تصاعد حالة السخط الشعبي بسبب ما يصفه الأهالي بـ”التهميش الفعلي” وغياب الدور الحكومي في إعادة تأهيل المدينة التي تكبدت خسائر بشرية ومادية جسيمة خلال سنوات الحرب.
وبحسب الأهالي، فإن أكثر من عام مضى من دون تنفيذ مشاريع ملموسة تعيد الحد الأدنى من الحياة إلى المدينة، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية شبه معدومة، والخدمات الأساسية غائبة، مع غياب رؤية واضحة أو جدول زمني معلن لإعادة الإعمار.
ويرى سكان المدينة أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني تتسع، في ظل تكرار الوعود والزيارات والتصريحات، من دون أن يقابلها تحرك تنفيذي فعلي ينعكس على حياة السكان اليومية.
مبادرات شعبية بدلًا من الدولة
في ظل هذا الواقع، تحمل الأهالي والمبادرات المحلية والمنظمات الإنسانية الجزء الأكبر من عبء إعادة تأهيل ما يمكن إصلاحه، سواء عبر ترميم منازل أو تحسين محدود لبعض المرافق، في مشهد يعكس اعتمادًا شبه كامل على الجهود الذاتية.
ويقول عبدالله العبد الكريم، المسؤول الإعلامي في الإدارة المدنية بمدينة القريتين ومدير شبكة البادية 24، في حديث لمنصة سوريا 24، إن ما يتداول حول تهميش تدمر “صحيح إلى حد كبير”، موضحًا أن المدينة لا تشهد مبادرات فردية أو مجتمعية فاعلة كما هو الحال في مناطق أخرى.
وأضاف أن مدينة القريتين، على سبيل المثال، شهدت تهيئة بعض أقسام المشفى وإجراء إصلاحات واسعة بدعم محلي ومبادرات فردية، رغم أنها لم تكن مدعومة مركزيًا، مشيرًا إلى أن حتى مراكز المحافظات باتت تعتمد على هذا النوع من المبادرات لسد النقص الخدمي.
أدنى مقومات الحياة غائبة
ويؤكد أهالي تدمر أن المدينة تفتقر إلى أبسط مقومات العيش، من خدمات صحية وتعليمية وكهرباء ومياه وصرف صحي، إلى طرقات مدمرة ومبان عامة خارج الخدمة، ما يعمق الشعور بأن المنطقة خارج أولويات التعافي الحكومي.
ويعتبر سكان المدينة أن الوعود غير المقترنة بخطط تنفيذ واضحة وموازنات محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس تبقى في إطار الخطاب السياسي والإداري، من دون أن ترقى إلى مستوى السياسة العامة الفاعلة.
وتحضر تدمر في الخطابات الرسمية باعتبارها مدينة تاريخية وأيقونة تراثية، إلا أن هذا الحضور، بحسب الأهالي، لا ينعكس على قرارات تنفيذية تضع المدينة على مسار التعافي الفعلي، بعيدًا عن الاستدعاء الرمزي لمكانتها التاريخية.
دعوات لتحرك مجتمعي
أمام استمرار الجمود، تتصاعد الدعوات إلى تحرك أهلي منظم يهدف إلى تحسين الواقع الخدمي، ولو بحدوده الدنيا، وبما تسمح به الإمكانات المتاحة، خاصة في القطاع الصحي الذي يصفه السكان بالأولوية القصوى في ظل الظروف الراهنة.
ويرى الأهالي أن مسؤولية الواقع الحالي لا تقع على عاتق الجهات المركزية فقط، بل تشمل أيضًا الإدارات المحلية في المدينة، في ظل اتهامات بالتقصير وضعف المتابعة وغياب المبادرات الفاعلة.
ومع استمرار الفجوة بين الوعود والتنفيذ، يبقى مستقبل تدمر معلقًا بين آمال سكانها بعودة الدولة بوظيفتها الخدمية الكاملة، وبين واقع ميداني يفرض عليهم مواصلة الاعتماد على أنفسهم، في انتظار خطوات عملية تضع حدًا لعام من الانتظار المفتوح.