“مطبخ المدينة”… دراما المكان الواحد أم إعادة تدوير للهشاشة الاجتماعية؟

حجم الخط

يشكّل مسلسل “مطبخ المدينة” للمخرجة رشا شربتجي امتداداً واضحاً للمشروع الدرامي الذي يشتغل عليه الكاتب علي وجيه منذ سنوات، حيث تتحول البيئة الهشّة إلى محور السرد الأساسي، ويصبح المكان المغلق نموذجاً مصغّراً للمجتمع السوري بكل تناقضاته.
غير أن العمل يطرح، في الوقت ذاته، سؤالاً نقدياً أساسياً: هل نحن أمام تطوّر في التجربة أم إعادة صياغة لسِمة باتت مألوفة؟

المكان بوصفه مدينة مصغّرة

يختار المسلسل مطعماً شعبياً ليكون فضاء الأحداث الرئيسي، وهو اختيار ليس إنتاجياً فحسب، بل دلالي أيضاً. فالمطعم هنا لا يؤدي وظيفة مكان العمل فقط، بل يتحول إلى استعارة للمدينة نفسها؛ فضاء تتقاطع داخله طبقات اجتماعية مختلفة، وتظهر عبره علاقات السلطة الصغيرة، والضغوط الاقتصادية، والتوترات العائلية.

هذا البناء يعيد ما اشتغل عليه وجيه سابقاً في “عناية مشددة” (المستشفى)، و”مال القبان” (السوق)، و”على صفيح ساخن” (مكبّ القمامة)، حيث يصبح المكان المغلق مختبراً اجتماعياً أكثر منه خلفية درامية.

البطولة الجماعية بديلاً عن البطل التقليدي

يتخلى العمل عن فكرة البطل المركزي لصالح شبكة شخصيات متوازية، وهو خيار يمنح الواقعية قوة واضحة، لكنه في المقابل يخفف من التوتر الدرامي. فالمشاهد لا يتبع رحلة شخصية واحدة بقدر ما يتنقل بين حالات إنسانية متعددة، ما يجعل التجربة أقرب إلى مراقبة الحياة اليومية منها إلى حبكة تصاعدية.

وقد لاقت هذه المقاربة إشادة نقدية باعتبارها عودة إلى الدراما الاجتماعية السورية، لكنها كانت، في الوقت نفسه، سبباً في شعور بعض المتابعين ببطء الإيقاع.

الواقعية كقوة… وكقيد في آن واحد

أبرز ما نجح فيه المسلسل هو خلق إحساس واقعي بالحياة اليومية؛ الحوارات طبيعية، الشخصيات غير بطولية، والصراعات صغيرة لكنها مألوفة. إلا أن هذا الخيار الجمالي نفسه يتحول أحياناً إلى قيد درامي، إذ تغيب الذروة الواضحة لصالح تراكم التفاصيل.

فالعمل يفضّل التأمل على المفاجأة، والملاحظة الاجتماعية على الحدث، وهو اتجاه فني واعٍ، لكنه يصطدم بتوقعات جمهور الموسم الرمضاني القائم عادةً على التشويق.

تكرار السمة أم ترسيخ مشروع فني؟

عند قراءة “مطبخ المدينة” ضمن سياق أعمال علي وجيه، يظهر أن الكاتب لا يعيد القصة نفسها بقدر ما يعيد طرح السؤال ذاته: كيف يعيش الإنسان داخل بنية اجتماعية هشّة؟

غير أن الإشكالية النقدية تكمن في تشابه الإطار البصري والاجتماعي عبر الأعمال: مكان شبه مغلق، شخصيات رمادية، ضغط اقتصادي، وعلاقات عائلية متصدعة. هذا التشابه يمنح الكاتب هوية واضحة، لكنه يخلق أيضاً إحساساً بالتكرار لدى جزء من الجمهور.

بمعنى آخر، يبدو العمل أحياناً كحلقة جديدة ضمن مشروع واحد مستمر، لا كقفزة درامية مستقلة.

الأداء التمثيلي كحامل أساسي للعمل

اعتمد المسلسل بدرجة كبيرة على قوة الأداءات التمثيلية لتعويض محدودية الحدث، ما جعل حضور الممثلين عاملاً حاسماً في الحفاظ على تماسك السرد.

وقد نجحت البطولة الجماعية في خلق توازن داخل الحكاية، خصوصاً عبر شخصيات تعتمد الأداء الداخلي الهادئ بدلاً من الانفعال المبالغ فيه، وهو خيار ينسجم مع الواقعية التي يسعى إليها العمل.

وفي هذا السياق، شكّلت عودة الممثل مكسيم خليل إلى الدراما السورية أحد العناصر اللافتة، إذ بدا حضوره جزءاً من الرهان على الأداء النفسي أكثر من البطولة التقليدية. فقد قدّم شخصية تقوم على التوتر الداخلي والصراع الصامت، منسجمة مع طبيعة العمل القائمة على التفاصيل اليومية لا اللحظات الدرامية الصاخبة، ما جعله أقرب إلى عنصر توازن داخل النسيج الجماعي للشخصيات، لا مركزاً منفرداً للحكاية.

غير أن هذا الأسلوب جعل بعض الشخصيات، بما فيها الشخصيات الرئيسية، تبدو أقرب إلى نماذج اجتماعية منها إلى مسارات درامية مكتملة، وهو ما عزّز الإحساس بأن الأداء يحمل عبء السرد أكثر مما تحمله الحبكة نفسها.

بين التجريب والحدود الرمضانية

يبدو “مطبخ المدينة” محاولة واضحة لاختبار حدود الدراما الرمضانية التقليدية عبر تقديم عمل أقل صخباً وأكثر تأملاً. وهو رهان فني يمنح العمل خصوصيته، لكنه يضعه في منطقة وسطى: ليس دراما جماهيرية صافية، ولا عملاً فنياً تجريبياً بالكامل.

خلاصة نقدية

يمكن النظر إلى “مطبخ المدينة” بوصفه عملاً ناضجاً من حيث الرؤية الاجتماعية، لكنه أقل جرأة على مستوى الشكل الدرامي. فقد نجح في بناء عالم واقعي مقنع، إلا أنه بقي أسير الأسلوب الذي بات يميّز تجربة كاتبه.

فالعمل لا يفشل بقدر ما يكرر منطقه الخاص: مراقبة المجتمع من الداخل عبر شخصيات عادية تعيش أزمات يومية داخل مكان يبدو صغيراً، لكنه يحمل صورة مدينة كاملة.

غير أن الإشكالية الأبرز تكمن في ميل النص إلى تعميم صورة الهشاشة الاجتماعية بوصفها الحالة الغالبة، في حين أن الواقع الاجتماعي أكثر تناقضاً وتنوعاً.

فالمجتمعات المنهكة بالحروب لا تنتج الهشاشة فقط، بل تفرز أيضاً نماذج صلبة قادرة على الحفاظ على قيمها وأخلاقياتها دون الانخراط في مسارات رمادية.

ولعل التحدي الأهم أمام الكاتب في أعماله القادمة يكمن في الابتعاد عن لغة التعميم، والاقتراب أكثر من تناقضات المجتمع وتعقيداته، لا الاكتفاء بالنبش المستمر في هشاشته وحدها.