مشفى جامعة حلب يعلن إطلاق برنامج غسيل الكلى البريتوني للأطفال

حجم الخط

لم تكن معاناة عائلات الأطفال المصابين بالفشل الكلوي في شمال سوريا تقتصر على المرض بحد ذاته، بل كانت تمتد إلى رحلة علاج شاقة نحو دمشق للحصول على غسيل الكلى البريتوني، وهو خيار لم يكن متاحًا في مناطقهم. بالنسبة للأطفال الأصغر سنًا، كانت رحلة تتجاوز أربع ساعات تمثل عبئًا جسديًا ومخاطرة طبية حقيقية، خصوصًا في الحالات غير المستقرة.

اليوم تغيّر هذا الواقع مع إعلان الجمعية الطبية السورية الأميركية بالتعاون مع مشفى جامعة حلب إطلاق أول برنامج لغسيل الكلى البريتوني الحاد للأطفال في شمال سوريا، في خطوة تمثل تطورًا نوعيًا في مستوى الرعاية التخصصية المتاحة للأطفال المصابين بأمراض كلوية خطيرة.

فجوة علاجية مقلقة

تقييمات ميدانية وبعثات طبية نفذتها سامز أظهرت وجود نقص حاد في خدمات طب كلى الأطفال، حيث لم يكن الغسيل البريتوني متوفرًا للحالات الحادة أو المزمنة، رغم كونه الخيار الأكثر أمانًا في كثير من الحالات، خصوصًا عندما يتعذر إجراء الغسيل الدموي.

وفي تصريح خاص لـ«سوريا 24»، قال الدكتور عبد الرحمن زنابيلي، نائب رئيس الجمعية وأخصائي أمراض الكلى، إن حرمان الأطفال من هذا العلاج لم يعد مبررًا، مضيفًا أن نقل الخدمة إلى مكان وجود المرضى كان ضرورة أخلاقية ومهنية، بدل فرض السفر عليهم في ظروف صعبة قد تهدد حياتهم.

تأسيس خدمة قابلة للاستمرار

إطلاق البرنامج جاء ثمرة تعاون علمي مباشر مع الكادر الطبي في مشفى جامعة حلب، حيث جرى إعداد بروتوكولات علاجية واضحة، وتدريب الفرق الطبية والتمريضية على تطبيق الإجراء وفق المعايير الحديثة.

كما أمّنت سامز المستهلكات الأساسية، بما فيها قساطر الغسيل البريتوني الخاصة بالأطفال ومحاليل الغسيل والمستلزمات الداعمة، لضمان بدء الخدمة دون تأخير.

وفي إطار بناء قدرات محلية مستدامة، موّلت الجمعية منحًا تدريبية متقدمة لعشرة أطباء مقيمين وكوادر تمريضية في جامعة غازي عنتاب، بهدف نقل الخبرة وتعزيز جودة الرعاية.

لماذا يُفضَّل الغسيل البريتوني للأطفال؟

الغسيل البريتوني يُعد الخيار العلاجي الأكثر ملاءمة في الأعمار الصغيرة أو الحالات غير المستقرة طبيًا، إذ لا يتطلب استخدام مميعات دم، ويحد من الحاجة إلى نقل الدم المتكرر، ويقلل خطر الاختلاطات الإنتانية. كما يمكن إجراؤه ليلًا، ما يسمح للطفل بمتابعة نشاطه اليومي بصورة أقرب إلى الطبيعية.

الدكتور محمود هلال، أخصائي كلى الأطفال في مشفى جامعة حلب، أكد في حديث خاص أن توفر الخدمة داخل حلب يشكل تحولًا فعليًا في فرص النجاة، موضحًا أن كثيرًا من الحالات كانت تتدهور بسبب تأخر العلاج أو صعوبة الوصول إليه.

امتداد لعمل بدأ منذ 2013

البرنامج الجديد لا يأتي بمعزل عن تدخلات سابقة للجمعية، إذ أنشأت سامز أول وحدة غسيل كلوي في باب الهوى عام 2013، ثم وحدة أخرى في دارة عزة، ولا تزالان تقدمان خدماتهما حتى اليوم.

وعقب تحرير مدينة حلب، كان فريق غسيل الكلى التابع للجمعية من أوائل الفرق التي أعادت تشغيل الخدمة في مشفى جامعة حلب، عبر إصلاح الأجهزة وتأمين التمويل اللازم بالتنسيق مع الجهات الصحية المختصة.

أثر مباشر على حياة العائلات

مع وجود أكثر من عشرة ملايين نسمة في شمال سوريا، يمثل إطلاق البرنامج استجابة لحاجة فعلية طال انتظارها. لم تعد العائلات مضطرة للاختيار بين رحلة علاج محفوفة بالمخاطر أو التخلي عن خيار علاجي منقذ للحياة.

إطلاق غسيل الكلى البريتوني للأطفال في حلب لا يضيف إجراءً تقنيًا فحسب، بل يعزز فكرة بناء قدرة صحية محلية قادرة على تقديم خدمات تخصصية متقدمة داخل المنطقة نفسها. الفارق هنا ليس إداريًا أو إجرائيًا، بل فارق في الزمن العلاجي وفرص النجاة وجودة الحياة.