في مساء الحادي عشر من آذار/مارس 2012، شهد حي كرم الزيتون في مدينة حمص واحدة من أكثر المجازر دموية في السنوات الأولى من الثورة السورية.
فخلال ساعات قليلة، قُتل عشرات المدنيين داخل منازلهم أو في أزقة الحي، إثر اقتحام نفذته قوات النظام السوري آنذاك مدعومة بميليشيات محلية موالية له.
سياق عسكري متوتر
وقعت المجزرة في مرحلة كانت فيها مدينة حمص تشهد تصعيداً عسكرياً واسعاً. فمنذ مطلع عام 2012 تحولت المدينة إلى أحد أبرز مراكز المواجهة بين قوات النظام ومجموعات المعارضة المسلحة.
وخلال تلك الفترة تعرضت أحياء عدة، مثل بابا عمرو والخالدية وكرم الزيتون، لقصف مكثف وعمليات اقتحام متكررة ضمن حملة عسكرية هدفت إلى استعادة السيطرة على المناطق التي شهدت وجوداً للمعارضة.
وفي هذا السياق، كان حي كرم الزيتون من الأحياء السكنية المكتظة التي بقي فيها عدد كبير من المدنيين رغم الاشتباكات الدائرة في محيطه.
تسلسل الأحداث
بحسب روايات ناشطين محليين وشهادات شهود عيان، بدأت الأحداث مساء 11 آذار/مارس بعد ساعات من القصف والاشتباكات في المنطقة. ودخلت ميليشيات موالية للنظام إلى الحي، حيث ارتكبت مجزرة بحق عشرات المدنيين من سكانه.
وتشير الشهادات إلى أن عدداً من الضحايا قُتلوا بإطلاق نار من مسافة قريبة، فيما تعرض آخرون للطعن بأسلحة بيضاء. وقد عُثر على جثث العديد من الضحايا داخل المنازل، بينما وجدت جثث أخرى في الشوارع الضيقة للحي، في مشاهد وصفها سكان المنطقة بأنها من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ الحي.
عدد الضحايا
تفاوتت التقديرات حول عدد القتلى، إلا أن معظم التقارير أشارت إلى أن حصيلة الضحايا تراوحت بين 47 و52 مدنياً، بينهم نساء وأطفال.
كما تحدثت بعض المصادر المحلية عن أرقام أعلى، في حين وثقت مقاطع مصورة وصور انتشرت في ذلك الوقت مشاهد لعدد من الجثث التي بدت عليها آثار طعن أو إطلاق نار من مسافة قريبة.
وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر حينها أن عدداً كبيراً من الضحايا كانوا مدنيين غير مسلحين، وأن بعضهم قُتل داخل منازله.
واستند التقرير إلى مقابلات مع شهود عيان وتحليل مواد مصورة ظهرت بعد الحادثة، واعتبر أن طبيعة عمليات القتل تشير إلى احتمال وقوع إعدامات ميدانية.
أما لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة، فقد أشارت في تقاريرها إلى المجزرة باعتبارها جزءاً من نمط أوسع من العنف الذي طال المدنيين في مدينة حمص خلال عام 2012. لكنها أوضحت أن صعوبة الوصول إلى موقع الحادثة آنذاك حالت دون إجراء تحقيق ميداني كامل يسمح بتحديد المسؤولين عنها بشكل قاطع.
آثار المجزرة
عقب وقوع المجزرة، شهد حي كرم الزيتون موجة نزوح واسعة، إذ غادرت العديد من العائلات منازلها خوفاً من تكرار أعمال العنف.
كما أصبحت المجزرة إحدى الحوادث التي استشهدت بها تقارير حقوقية عديدة حول الانتهاكات التي طالت المدنيين خلال النزاع السوري.
ومع مرور أكثر من عقد على تلك الليلة الدامية، ما تزال المجزرة حاضرة في ذاكرة سكان حمص باعتبارها واحدة من أكثر الأحداث قسوة في تاريخ المدينة الحديث.
العدالة الانتقالية الغائبة
بعد مرور نحو 14 عاماً على المجزرة، وسقوط نظام بشار الأسد، ما يزال المسؤولون عنها طلقاء، في وقت تغيب فيه حتى الآن مسارات واضحة للعدالة الانتقالية.
فبالنسبة لعائلات الضحايا وسكان الحي، لا تتعلق ذكرى المجزرة فقط بتوثيق ما حدث، بل بضرورة فتح مسار حقيقي للعدالة يقوم على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر للضحايا.
وبينما لا تزال هذه المطالب دون استجابة واضحة، تبقى مجزرة كرم الزيتون في نظر كثيرين جرحاً مفتوحاً في ذاكرة مدينة حمص.