تشهد حوادث العنف ضد النساء السوريات تصاعداً مقلقاً في السنوات الأخيرة، وصل في بعض الحالات إلى القتل، في مؤشرات تعكس أزمة اجتماعية وقانونية متشابكة. ففي وقت تتكرر فيه جرائم قتل النساء داخل سوريا، امتد هذا العنف أيضا إلى خارجها، كما حدث في جريمة مروعة وقعت في ألمانيا وراح ضحيتها طبيبة سورية شابة، بعد رفضها الارتباط بشخص كان يلاحقها.
وتسلط هذه الحوادث المتفرقة الضوء على واقع واحد يتمثل في استمرار العنف القائم على النوع الاجتماعي، الذي يحصد سنويا أرواح عشرات النساء والشابات السوريات، إلى جانب مئات القضايا المرتبطة بالتهديد والتشهير والاعتداء التي تصل إلى المحاكم، في ظل مطالب متزايدة بتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية للنساء.
جريمة قتل طبيبة سورية في ألمانيا
في حادثة صادمة، قتلت الطبيبة السورية روز أنس الحريري، المنحدرة من بلدة إبطع في ريف درعا الأوسط، في ألمانيا، بعد سنوات من السعي لتحقيق طموحها المهني في المجال الطبي.
درست الحريري الطب في جامعة دمشق، قبل أن تغادر إلى ألمانيا لمتابعة اختصاصها الطبي، حيث اجتازت الامتحانات المطلوبة لمزاولة المهنة والتحقت بالعمل هناك. وبحسب المعلومات الأولية، أقدم شاب على قتلها بعد رفضها المتكرر الارتباط به.
وأثارت الحادثة صدمة واسعة بين السوريين، إذ تحولت رحلة طبيبة شابة سافرت لتحقيق حلمها المهني إلى مأساة انتهت بجريمة قتل، في واقعة تعيد تسليط الضوء على العنف الموجه ضد النساء حتى خارج حدود البلاد.
حوادث متكررة داخل المجتمع السوري
لم تكن هذه الجريمة الوحيدة، إذ سبقتها جرائم أخرى داخل سوريا، من بينها مقتل شابة على يد شقيقها بذريعة ما يعرف بـ”قانون العشيرة”، بعد علاقة عاطفية رفضتها العائلة.
وتشير هذه الوقائع، وفق متابعين، إلى أن العنف ضد النساء لا يزال يتخذ أشكالا متعددة، تتراوح بين التهديد والابتزاز وصولا إلى القتل، في ظل عوامل اجتماعية وقانونية معقدة.
عوامل اجتماعية واقتصادية
من منظور قانوني واجتماعي، لا يمكن فصل تكرار جرائم العنف والقتل بحق النساء في المجتمع السوري عن مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها ضعف الردع القانوني الفعلي في بعض البيئات، واستمرار تأثير بعض المفاهيم الاجتماعية التقليدية المرتبطة بما يسمى “السمعة” أو “الشرف”.
كما تسهم الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها المجتمع السوري خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى انتشار السلاح وتراجع منظومة الضبط الاجتماعي في بعض المناطق، في زيادة احتمالات وقوع مثل هذه الجرائم.
كيف ينظر القانون السوري إلى هذه الجرائم؟
توضح المحامية سحر نجار، في حديثها لـ”سوريا 24“، أن القانون السوري لا يعرف ما يعرف بـ”جرائم الشرف” كفئة قانونية مستقلة، بل تكيف هذه الأفعال ضمن جرائم القتل المنصوص عليها في قانون العقوبات السوري، سواء بوصفها قتلا عمدا أو قتلا قصدا، وذلك بحسب ظروف الجريمة وتوافر القصد الجرمي.
وبحسب نجار، فإن القانون يتعامل مع هذه الأفعال بوصفها اعتداء مباشرا على الحق في الحياة، بغض النظر عن الدوافع الاجتماعية التي قد يحاول البعض تقديمها كمبرر.
وتضيف أن القانون، من حيث المبدأ، لا يميز بين كون الجاني من أفراد العائلة أو شخصا غريبا، إذ تبقى الجريمة جريمة قتل يعاقب عليها وفق العقوبات المقررة. إلا أن الواقع القضائي قد يشهد أحيانا طرح بعض الدفوع المرتبطة بالأعذار المخففة أو الظروف التقديرية، خاصة في الجرائم التي تقع ضمن الإطار العائلي.
العقوبات القانونية
تبين نجار أن القتل العمد يعاقب عليه عادة بالأشغال الشاقة المؤبدة، وقد تصل العقوبة إلى الإعدام في حال توافر ظروف مشددة مثل سبق الإصرار والترصد، بينما قد تصل عقوبة القتل القصد إلى الأشغال الشاقة لمدة قد تمتد بين خمس عشرة وعشرين سنة، وذلك وفقا لظروف كل قضية.
ومع ذلك، يشير بعض المختصين إلى وجود نقاش قانوني حول ثغرات قد تؤدي عمليا إلى تخفيف العقوبات في بعض القضايا، ولا سيما من خلال تطبيق الأعذار المخففة أو الأسباب التقديرية المخففة، إضافة إلى إسقاط الحق الشخصي من قبل ذوي الضحية، وهو ما قد يؤثر على مستوى الردع في هذه الجرائم.
الجرائم خارج سوريا
أما في الحالات التي تقع خارج سوريا، فإن الجريمة تخضع لقانون الدولة التي حدثت على أراضيها. ففي حال وقوعها في ألمانيا مثلا، تتولى السلطات القضائية الألمانية التحقيق والمحاكمة وفق القانون الجنائي الألماني.
وفي هذه الحالات تعامل الأفعال عادة كجرائم قتل عمد، ولا يعتد بالدوافع المرتبطة بما يسمى “الشرف” كعذر مخفف، وقد تصل العقوبة إلى السجن المؤبد. تكشف هذه الجرائم عن تحد اجتماعي وقانوني متجدد يتمثل في استمرار العنف ضد النساء، سواء داخل سوريا أو في بلدان اللجوء. وفي ظل تزايد هذه الحوادث، تتعالى الأصوات المطالبة بتعزيز الردع القانوني، وتكثيف جهود التوعية المجتمعية، لحماية حق النساء في الحياة والأمان، بوصفه أحد أهم الحقوق التي لا يمكن تبرير انتهاكها تحت أي ظرف اجتماعي أو ثقافي.
إلى جانب الأبعاد القانونية، يرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن مواجهة العنف ضد النساء تتطلب مقاربة أوسع لا تقتصر على العقوبات وحدها، بل تشمل تعزيز التوعية المجتمعية وتطوير آليات الحماية والدعم النفسي والقانوني للنساء المعرضات للخطر.
ففي كثير من الحالات، تتعرض النساء لتهديدات أو مضايقات متكررة قبل وقوع الجريمة، لكن غياب قنوات الإبلاغ الآمنة أو الخوف من الوصمة الاجتماعية يمنعهن من طلب المساعدة في الوقت المناسب. كما أن الضغوط العائلية أو المجتمعية قد تدفع بعض الضحايا إلى الصمت، ما يزيد من احتمالات تصاعد العنف.
وللحد من هذه الجرائم، تبرز أهمية المؤسسات التعليمية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني في نشر ثقافة احترام حقوق النساء ورفض تبرير العنف تحت أي ذريعة، إضافة إلى تعزيز ثقة النساء بالمنظومة القانونية وقدرتها على توفير الحماية الفعلية.
وفي ظل تزايد هذه الحوادث، يبقى الحق في الحياة والأمان الشخصي للنساء قضية ملحة تتطلب تحركا مجتمعيا وقانونيا جادا، يضع حدا لدوامة العنف المتكرر ويمنع تحول الخلافات الشخصية أو الضغوط الاجتماعية إلى جرائم تنتهي بسلب حياة إنسان.