مع ساعات الفجر الأولى، يقف أحمد الخلف في إحدى ساحات تجمع العمال بمدينة الرقة منتظرا فرصة عمل قد تأتي أو لا تأتي. يحمل أدواته البسيطة ويقضي ساعات طويلة بين عشرات العمال الذين يبحثون مثله عن عمل يومي في نقل مواد البناء أو تحميل البضائع، وفي كثير من الأحيان يعود إلى منزله في نهاية اليوم دون أن يحصل على أي عمل.
يقول الخلف، وهو عامل مياومة: “نأتي إلى الساحات منذ ساعات الصباح الباكر وننتظر لساعات طويلة، وأحيانا نعود إلى منازلنا دون عمل”، وأنه في أفضل الأحوال يعمل يومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع، ما يجعله غير قادر على تغطية تكاليف الاحتياجات الأساسية.
تعكس قصة أحمد واقع آلاف العمال في سوريا الذين يعتمدون على الأعمال اليومية أو الموسمية مصدرا رئيسيا للدخل في ظل تدني الأجور وغياب الاستقرار الوظيفي.
وتزداد صعوبة هذا الواقع عند مقارنته بتكاليف المعيشة، إذ تشير تقديرات اقتصادية متداولة إلى أن الأسرة السورية المكونة من أربعة أفراد تحتاج إلى نحو 7.7 ملايين ليرة سورية شهريا لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، بينما يتطلب مستوى معيشة أكثر استقرارا، أو ما يعرف بالعيش بكرامة، نحو 11 مليون ليرة سورية شهريا.
في المقابل، تتراوح معظم الرواتب والأجور في قطاعات واسعة من سوق العمل بين 85 و400 دولار شهريا في أفضل الأحوال، ما يعكس فجوة كبيرة بين الدخل وتكاليف الحياة اليومية.
واقع سوق العمل في سوريا
يشهد سوق العمل في سوريا واقعا اقتصاديا ومعيشيا صعبا ينعكس بشكل مباشر على العمال والموظفين، في ظل ضعف الأجور وتراجع فرص العمل المنظمة وغياب الضمانات المهنية التي تكفل حقوق العمال وتحميهم من الاستغلال.
ويعتمد عدد كبير من السكان على الأعمال المؤقتة والموسمية مصدرا رئيسيا للدخل، وسط تفاوت واضح في الأجور بين المهن والقطاعات المختلفة.
وتتركز نسبة كبيرة من العمالة اليومية في الأعمال الإنشائية والخدمية الشاقة مثل نقل مواد البناء أو تحميل البضائع. وتتراوح أجور هذه الأعمال بين 50 ألفا و150 ألف ليرة سورية يوميا بحسب طبيعة العمل وعدد ساعات العمل، إلا أن توفر هذه الفرص يبقى غير منتظم، ما يجعل دخل العامل غير مستقر.
كما يحصل بعض العمال الذين يعملون في المحال التجارية أو الورشات على أجور أسبوعية قد تصل إلى نحو 500 ألف ليرة سورية، بينما قد تصل أجور العمال المهرة مثل النجارين والحدادين والكهربائيين إلى نحو مليون ليرة سورية أسبوعيا بحسب الخبرة وطبيعة العمل.
أما العمال الذين يحصلون على وظائف شبه ثابتة في المحال التجارية والمستودعات، خصوصا في أعمال تحميل وتنزيل البضائع مثل المواد الغذائية والطبية والأسمدة، فيتقاضون عادة أجورا شهرية تتراوح بين مليون ونصف ومليوني ليرة سورية.
ويعد هذا النوع من العمل أكثر استقرارا نسبيا مقارنة بالعمالة اليومية، لكنه يبقى محدود الدخل في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار.
ويقول محمود الحسين، وهو عامل في مجمع تجاري في مدينة الرقة: “الدخل الشهري أفضل من العمل اليومي، لكنه يبقى محدودا بسبب ارتفاع الأسعار، كما أننا لا نملك أي ضمانات في حال الإصابة أثناء العمل أو فقدان الوظيفة بشكل مفاجئ”.
وفي القطاع الصناعي، يشير الصناعي مصطفى حميدي، صاحب منشأة في منطقة باب الهوى بريف إدلب، إلى أن الحد الأدنى للأجور في بعض المعامل يبلغ نحو 250 دولارا شهريا، وقد يصل إلى 1500 دولار في بعض الوظائف الفنية أو الإدارية المتخصصة.
ويضيف أن الرواتب تختلف بحسب طبيعة العمل داخل المصنع، إذ يحصل مدير الإنتاج والمحاسب وأمين المستودع على نحو 800 دولار شهريا، بينما يحصل فني الصيانة على نحو 700 دولار، مشيرا إلى أن لكل قسم طبيعة عمل مختلفة وبدلات تختلف عن الأقسام الأخرى.
أما في القطاع الحكومي، فيتراوح متوسط راتب الموظف بين 120 و150 دولارا شهريا تقريبا، أي ما يعادل نحو مليون ليرة سورية، وهو من بين أدنى مستويات الرواتب مقارنة بالقطاعات الأخرى.
ويشير عدد من العاملين إلى أن دخل بعض المهن الحرفية مثل البناء أو البلاط أو الدهان يتراوح بين 120 و200 دولار شهريا بحسب عدد أيام العمل المتاحة، في حين يبلغ متوسط راتب بعض عمال معامل النسيج نحو 180 دولارا شهريا تبعا للخبرة والأقدمية في العمل.
وفي قطاعات أخرى مثل النقل وخدمات التوصيل، قد يصل دخل العامل إلى نحو 10 دولارات يوميا في حال توفر العمل بشكل منتظم.
أما في العاصمة دمشق، فيشير عاملون في السوق إلى أن العامل في المحال التجارية يحصل على نحو 200 دولار شهريا، بينما قد يصل دخل العامل في بعض معامل النسيج إلى نحو 400 دولار شهريا، وقد يبلغ دخل العامل في الأعمال الإنشائية اليومية نحو 600 دولار شهريا في حال توفر العمل بشكل منتظم.
كما تتراوح رواتب المتطوعين في الجيش والأمن العام بين 250 دولارا وما فوق، في حين تتراوح رواتب الموظفين المتعاقدين مع الحكومة بعد سقوط النظام السابق بين 250 و600 دولار بحسب طبيعة العمل والخبرة.
العمالة الزراعية النسائية
تعد الأعمال الزراعية من أبرز المجالات التي تعمل فيها النساء ضمن نظام المياومة، إذ تتقاضى العاملات أجرا يقارب 6000 ليرة سورية للساعة الواحدة.
وغالبا ما تعمل النساء ضمن مجموعات منظمة، حيث يمتد العمل نحو أربع ساعات في الفترة الصباحية وثلاث ساعات في الفترة المسائية.
وتقول أم محمد العلي، وهي عاملة في المجال الزراعي من الرقة: “نعتمد على العمل في المواسم الزراعية لتأمين مصاريف أسرنا”.
غير أن هذا العمل يرتبط بالمواسم الزراعية، إذ يتوقف النشاط الزراعي بشكل شبه كامل خلال فصل الشتاء نتيجة توقف عمليات الزراعة والحصاد، بينما يزداد الطلب على العمالة النسائية خلال بقية فصول السنة، ما يضطر كثيرا من العاملات إلى الاستدانة أو البحث عن أعمال أخرى خلال فترات الركود.
تقديرات اقتصادية لمستوى الأجور
يرى عميد المعهد العالي لإدارة الأعمال الدكتور معروف الخلف أن المعدل المتوسط للرواتب والأجور في سوريا يفترض أن يصل إلى نحو 800 دولار أمريكي شهريا كي يحقق جزءا من الاكتفاء الذاتي للعائلة السورية.
ويشير إلى أن متوسط الرواتب في الدول المجاورة لسوريا يبلغ نحو 600 دولار شهريا، ما يوضح الفجوة الكبيرة بين الأجور داخل سوريا ومستويات الدخل في المنطقة.
ويؤكد الخلف أن تحسين مستوى الدخل يتطلب العمل على عدة محاور، أبرزها مراقبة معدلات التضخم، واعتماد سياسات ضريبية متوازنة، وتشجيع الاستثمار، وزيادة الإنتاجية، إضافة إلى توسيع فرص العمل في القطاعات الاقتصادية المختلفة.
كما يشير إلى أن تعزيز المنظومة الاجتماعية، ولا سيما في قطاعي الصحة والتعليم، يمثل عاملا مهما في تحسين مستوى المعيشة، مؤكدا أن رفع الأجور يجب أن يكون جزءا من سياسة اقتصادية شاملة تقوم على زيادة الإيرادات وتحفيز النشاط الاقتصادي.
دور النقابات
وعلى الرغم من ضبابية المشهد النقابي بعد سقوط نظام الأسد، إلا أن الاتحاد العام لنقابات العمال في سوريا يحاول تجاوز المرحلة السابقة، وفق ما يقوله القائمون عليه.
ويرى رئيس الاتحاد فواز الأحمد أن تحسين أوضاع العمال في المرحلة المقبلة يرتبط بإعادة تنشيط الاقتصاد وتطوير بيئة العمل بما يضمن حقوق العاملين ويعزز الاستقرار الوظيفي.
وشدد الأحمد في تصريحات صحفية على ضرورة رفع الرواتب والأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وتوسيع مظلة التأمينات الاجتماعية لتشمل أكبر عدد ممكن من العمال، خاصة في القطاع الخاص، إضافة إلى تعزيز الرقابة على تطبيق قوانين العمل وضمان تسجيل العمال في التأمينات الاجتماعية.
كما يؤكد أن دعم القطاعات الإنتاجية وإعادة تشغيل المنشآت الصناعية والزراعية يمثل خطوة أساسية لخلق فرص عمل جديدة وتحسين مستوى دخل العمال.
وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وتنظيم سوق العمل
تؤكد وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن تحسين واقع العمال وتنظيم سوق العمل يشكلان أحد أبرز أولوياتها.
وتوضح ممثلة الوزارة رغداء زيدان أن الوزارة بدأت منذ مرحلة ما بعد التحرير بالعمل على إحياء الحوار الاجتماعي الذي يجمع أطراف العملية الإنتاجية الثلاثة: الحكومة والعمال وأصحاب العمل، بهدف مناقشة القوانين والحقوق والواجبات المرتبطة بعلاقات العمل.
وتشير إلى أن الوزارة شرعت بمراجعة قانون العمل رقم 17 المنظم للعمل في القطاع الخاص، بحضور ممثلين عن العمال وأصحاب العمل، بهدف إدخال تعديلات تحقق توازنا أفضل بين حقوق العمال ومتطلبات سوق العمل.
كما تعمل الوزارة على إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتشغيل التي تشمل تطوير برامج التدريب المهني وتنظيم مكاتب التشغيل وإطلاق منصة لسوق العمل وتعزيز التفتيش العمالي والسلامة المهنية.
وتشير بيانات الوزارة إلى أن عدد العمال المشتركين في التأمينات الاجتماعية بلغ نحو 876 ألفا و671 عاملا.
كما تم اعتماد حد أدنى للأجور في القطاع الخاص يبلغ 750 ألف ليرة سورية، مع خطط لرفعه مستقبلا بما يتناسب مع تكاليف المعيشة.
تأثير الحرب على سوق العمل
لا يمكن فهم واقع الأجور ومستوى الدخل في سوريا بمعزل عن تأثير سنوات الحرب الطويلة التي أدت إلى تراجع النشاط الاقتصادي وتضرر قطاعات إنتاجية واسعة.
فقد أسهمت سنوات الصراع في تدمير عدد كبير من المنشآت الصناعية والزراعية والخدمية، ما أدى إلى خسارة ملايين فرص العمل وتراجع مستويات الإنتاج والدخل.
وفي هذا السياق أعلن وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار في آب/أغسطس 2025 أن معدل البطالة في سوريا يتجاوز 60%.
كما يشير تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أن الاقتصاد السوري فقد أكثر من نصف حجمه مقارنة بعام 2010، وأن سوق العمل خسر ملايين الوظائف خلال سنوات الحرب.
تجارب دولية في رفع الأجور
تشير تجارب عدد من الدول التي مرت بأزمات اقتصادية أو حروب طويلة إلى أن تحسين مستويات الأجور يرتبط غالبا بإعادة بناء القطاعات الإنتاجية وتعزيز النمو الاقتصادي.
ففي فيتنام ساهم برنامج الإصلاح الاقتصادي المعروف باسم “دوي موي” عام 1986 في تحقيق نمو اقتصادي متواصل انعكس تدريجيا على ارتفاع مستويات الدخل.
كما شهدت رواندا تجربة اقتصادية ركزت على تحديث القطاع الزراعي ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتحسين بيئة الاستثمار.
أما كوريا الجنوبية فقد اعتمدت منذ ستينيات القرن الماضي خططا تنموية ركزت على التصنيع والتصدير والاستثمار في التعليم والتكنولوجيا، ما أدى إلى تحقيق نمو اقتصادي سريع وارتفاع كبير في مستويات الأجور.
تشير المعطيات الواردة في هذا التحقيق إلى أن مستويات الأجور في سوريا ما تزال منخفضة مقارنة بتكاليف المعيشة، إذ يتراوح متوسط الدخل الشهري في كثير من القطاعات بين نحو 85 دولارا في الوظائف الحكومية و200 إلى 400 دولار في عدد من الأعمال الخاصة، بينما قد يصل في بعض المهن الحرفية أو الإنشائية إلى نحو 600 دولار شهريا في حال توفر العمل بشكل منتظم.
غير أن هذه المستويات تبقى أقل بكثير من الحد الأدنى اللازم لتغطية الاحتياجات المعيشية، إذ تحتاج الأسرة السورية المكونة من أربعة أفراد إلى نحو 7.7 ملايين ليرة سورية شهريا لتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة الأساسية، بينما يتطلب الوصول إلى مستوى معيشة أكثر استقرارا نحو 11 مليون ليرة سورية شهريا.
ويرى خبراء اقتصاديون أن تحسين واقع الأجور يتطلب العمل على مجموعة من المسارات المتوازية، أبرزها إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية وتشجيع الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال وتوسيع فرص العمل، إضافة إلى تطوير السياسات الضريبية وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية.
وفي المحصلة، يبقى مستقبل الأجور في سوريا مرتبطا بقدرة الاقتصاد على التعافي وإعادة بناء قاعدته الإنتاجية، وبمدى نجاح السياسات الاقتصادية في تحقيق توازن بين تحسين مستوى معيشة المواطنين واستدامة النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة.








