الثورة السورية في عامها الـ15: إنجاز التحرير وأسئلة المستقبل

حجم الخط

مع حلول الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، تعود الأسئلة الجوهرية إلى الواجهة: هل تحققت أهداف الثورة بسقوط النظام السابق نهاية عام 2024؟ أم أن الطريق لا يزال طويلا أمام استكمال شعارات الحرية والكرامة التي صدحت بها حناجر السوريين في آذار/مارس 2011؟

وشهدت السنوات الماضية تحولات عميقة، انتهت بإسقاط نظام حكم استمر لعقود، في لحظة وصفها كثيرون بأنها مفصلية في تاريخ البلاد.

غير أن هذه اللحظة، رغم رمزيتها الكبيرة، فتحت الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدا، تتعلق بترجمة أهداف الثورة إلى واقع سياسي واجتماعي مستقر.

سقوط النظام: إنجاز تاريخي لا يكتمل بذاته

يرى الدكتور سمير العبد الله، الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، في حديث لمنصة سوريا 24، أن إسقاط النظام يمثل أحد أبرز أهداف الثورة التي انطلقت بشعارات الحرية والعدالة وإنهاء الاستبداد، لكنه يؤكد أن هذا الإنجاز لا يعني اكتمال مسار الثورة.

ويقول إن الشعارات التي رفعتها الاحتجاجات الأولى لم تكن تقتصر على تغيير السلطة، بل كانت تطمح إلى بناء دولة تحترم الإنسان وتضمن حقوقه، وتؤسس لنظام سياسي قائم على المشاركة ومنع عودة القمع.

ويضيف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إسقاط النظام بقدر ما يكمن في ما بعد ذلك، إذ إن الحفاظ على مكتسبات الثورة قد يكون أكثر صعوبة من سنوات الصراع نفسها، نظرا لما يتطلبه من وعي سياسي ومجتمعي عميق يمنع إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة.

لحظة التحول: من المستحيل إلى الواقع

من جانبه، يعتبر الباحث في الشأن السياسي محمد نذير سالم، في حديث لمنصة سوريا 24، أن سقوط النظام شكل منعطفا تاريخيا غير متوقع، حتى لدى شريحة من السوريين الذين فقدوا الأمل بإمكانية حدوثه.

ويشير إلى أن هذه اللحظة حملت دلالات كبيرة، خصوصا أنها جاءت في وقت كان فيه النظام يعتقد أنه حسم الصراع لصالحه، ما جعل التغيير يبدو أقرب إلى المستحيل.

ويؤكد أن هذا التحول يضع السوريين أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في استثمار هذه الفرصة لبناء دولة قائمة على القانون والعدالة، بعيدا عن الفوضى أو إعادة إنتاج أنماط الحكم السابقة.

بين الشعارات الأولى ومتطلبات الواقع

رفعت الثورة السورية منذ أيامها الأولى شعارات واضحة: الحرية، الكرامة، العدالة الاجتماعية، وإنهاء حكم الفرد. إلا أن ترجمة هذه المبادئ إلى مؤسسات وقوانين تمثل اليوم التحدي الأكبر.

فالثورات، كما يشير العبد الله، لا تقاس فقط بقدرتها على إسقاط الأنظمة، بل بمدى نجاحها في بناء واقع أفضل من الذي قامت ضده، واقع يشعر فيه المواطن بأن صوته مسموع وحقوقه مصانة.

ويحذر من أن أخطر ما قد تواجهه الثورات هو الانزلاق نحو إعادة إنتاج الاستبداد تحت مسميات مختلفة، سواء عبر احتكار السلطة أو إضعاف مؤسسات الرقابة والمحاسبة.

كيف يمكن الحفاظ على مكتسبات الثورة؟

تتفق آراء الباحثين على أن الحفاظ على ما تحقق يتطلب خطوات عملية واضحة، تبدأ ببناء دولة مؤسسات لا تقوم على حكم الفرد، بل على توزيع السلطات وتوازنها.

ويؤكد العبد الله أن وضع دستور يحدد الصلاحيات ويمنع احتكار السلطة يمثل حجر الأساس في أي عملية انتقالية ناجحة، إلى جانب ضمان استقلال القضاء باعتباره الضامن الأول للعدالة.

كما يشدد على أهمية إجراء انتخابات حقيقية تعبر عن إرادة السوريين، وصون حرية التعبير التي كانت الشرارة الأولى لانطلاق الاحتجاجات.

بدوره، يلفت سالم إلى ضرورة تفعيل دور البرلمان وترسيخ مبدأ المحاسبة والمساءلة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لبناء نظام سياسي صحي، إضافة إلى توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار.

وحدة المجتمع: شرط أساسي للنجاح

من أبرز التحديات التي تواجه المرحلة الحالية الحفاظ على وحدة المجتمع السوري، في ظل الانقسامات التي خلفتها سنوات الحرب.

ويؤكد العبد الله أن رفض الانتقام أو الإقصاء على أسس سياسية أو طائفية يعد شرطا أساسيا لنجاح أي مرحلة انتقالية، مشيرا إلى أن الثورة خرجت من أجل كرامة جميع السوريين دون استثناء.

ويضيف أن تحقيق المصالحة المجتمعية لا يعني تجاهل العدالة، بل يتطلب مسارا متوازنا يجمع بين المحاسبة وعدم الانزلاق إلى دوامة جديدة من الصراع.

الطريق إلى المستقبل

بعد 15 عاما، تقف الثورة السورية أمام اختبارها الأصعب: الانتقال من إسقاط النظام إلى بناء الدولة. فالمكسب السياسي الكبير الذي تحقق يحتاج إلى ترسيخ عبر مؤسسات قوية، وثقافة سياسية جديدة، وإرادة جماعية تحمي ما تحقق.

وبينما يرى البعض أن الثورة أنجزت هدفها الأهم بإسقاط النظام، يؤكد آخرون أن هذا الإنجاز ليس سوى بداية الطريق نحو تحقيق الحلم الأكبر: دولة عادلة، حرة، تحفظ كرامة مواطنيها.

في المحصلة، يبدو أن الإجابة عن سؤال “هل تحققت أهداف الثورة؟” لا تزال مفتوحة، لكنها ترتبط بشكل مباشر بما سيبنى في السنوات المقبلة، وبقدرة السوريين على تحويل شعارات البدايات إلى واقع مستدام، يضمن ألا تعود عقارب الساعة إلى الوراء.