جاء عيد الأم هذا العام متزامناً مع ثاني أيام عيد الفطر، ليمنح السوريين مناسبة مزدوجة اختلطت فيها مشاعر الفرح بالحنين، ولا سيما لدى العائلات التي أنهكتها سنوات التهجير والنزوح والاغتراب. ففي وقتٍ اجتمعت فيه بعض الأسر بعد فراق طويل، بقيت أخرى تعيش فرحة منقوصة بسبب غياب أبنائها، سواء نتيجة الاعتقال أو الفقد القسري.
في أحد أحياء ريف دمشق، استعادت “أم عمار” جزءاً من حياتها التي سُلبت منها لسنوات، بعدما اجتمعت هذا العيد مع أبنائها الستة وأحفادها للمرة الأولى منذ زمن طويل. وتقول في حديثها لـ”سوريا 24″ إن أربعة من أبنائها كانوا مهجّرين في الشمال السوري، بينما عاش اثنان في تركيا، مضيفة أن أعياداً كثيرة مرّت عليها من دون أن تراهم إلا عبر شاشة الهاتف.
وتصف أم عمار تلك السنوات بقولها إن “فرحة العيد كانت دائماً ناقصة”، معتبرة أن وجود أبنائها إلى جانبها هو العيد الحقيقي. وتضيف أن المشهد تغيّر هذا العام تماماً، إذ امتلأ منزلها بأصوات الأطفال وضحكاتهم، وعادت تفاصيل العيد التي افتقدتها طويلاً، من توزيع العيديات إلى تقديم الحلويات لأحفادها. وتؤكد أن هذه الأيام هي الأجمل في حياتها، بعد حرمان طويل من لمة العائلة وزحمة البيت.
لكن، وعلى مسافة غير بعيدة، في حي القابون بدمشق، تعيش جميلة الحموي، المعروفة بـ”أم مهند”، عيداً مختلفاً تماماً. فبالنسبة لها، لم يكتمل عيد الفطر، رغم كل مظاهره، بسبب غياب ابنها محمد الذي اعتُقل عام 2013، ولا يزال مصيره مجهولاً حتى اليوم.
وتقول الأم بصوت مثقل بالألم إن الأم لا تنسى أبناءها، مضيفة: “ولو كان عندي عشرة أولاد ما بقدر أنسى محمد”، مشيرة إلى أنه كان طالباً جامعياً حين اعتُقل، ومنذ ذلك الحين “احترق قلبها” على غيابه، كما تصف.
وتعكس قصة أم مهند واقع آلاف الأمهات السوريات اللواتي يعشن أعياداً بفرحة منقوصة، في ظل استمرار ملف المغيبين قسرياً من دون حلول، وغياب أي معلومات عن مصير كثير منهم، ما يجعل كل مناسبة تمرّ محمّلة بالألم والانتظار.
وبين فرح اللقاء ومرارة الفقد، تبقى الأم السورية حاضرة في المشهد بوصفها رمزاً للصبر والتحمّل، بعد سنوات قاسية من الحرب، فقدت خلالها الكثير، لكنها لا تزال تحافظ على تماسك العائلة، وتمنح من حولها الأمل حتى في أصعب الظروف.
وفي يوم اجتمع فيه عيدان، بدت الحكايات السورية أكثر وضوحاً: فرحٌ يولد من رحم الغياب، وذاكرة لا تنسى، وأمهات يواصلن الانتظار على أمل أن يعرفن مصير أبنائهن يوماً ما.