أطلقت منظمة “شفق” مشروعا جديدا يهدف إلى ترميم 300 منزل في بلدة حاس بريف إدلب الجنوبي، بالشراكة مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) وصندوق التمويل الإنساني لسوريا (SHF)، في خطوة تعد من أبرز المبادرات الداعمة لعودة الأهالي النازحين إلى مناطقهم التي دمرها قصف النظام السوري خلال السنوات الماضية.
ويعتمد المشروع على آلية “النقد من أجل المأوى”، حيث يتم تقديم دعم مالي مباشر للأسر المتضررة، يمكنها من إعادة تأهيل منازلها وفق احتياجاتها، مع متابعة فنية لضمان جودة أعمال الترميم. ويستهدف المشروع منازل تعرضت لأضرار متفاوتة، تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة والشديدة، في محاولة لإعادة الحياة إلى واحدة من أكثر المناطق تضررا في ريف إدلب.
منسق الإعلام والتواصل في منظمة “شفق”، سليم الجرك، أوضح في حديث خاص لموقع سوريا 24 أن المشروع لا يقتصر على إعادة تأهيل المساكن فحسب، بل يهدف إلى تمكين الأهالي من العودة والاستقرار في مناطقهم الأصلية، وتحسين ظروفهم المعيشية. وأضاف أن إشراك المستفيدين بشكل مباشر في تنفيذ أعمال الترميم يعزز من شعورهم بالاستقرار والانتماء، ويمنحهم قدرة أكبر على إعادة بناء حياتهم.
ولا تقتصر جهود المشروع على المنازل فقط، بل تشمل أيضا تحسين البنية التحتية المرتبطة بها، مثل شبكات صرف صحي، وهو ما يشكل عاملا حاسما في جعل العودة ممكنة ومستدامة، في ظل تدهور الخدمات الأساسية في المنطقة. ويستمر المشروع حتى شهر آب من العام الجاري.
وتعد مناطق ريف إدلب الجنوبي، ومنها بلدة حاس، من أكثر المناطق التي تعرضت لحملات قصف مكثفة من قبل النظام السوري وحلفائه، خاصة خلال عامي 2019 و2020، ما أدى إلى دمار واسع في البنية التحتية والمنازل. وتشير تقديرات منظمات إنسانية إلى أن نسب الدمار في بعض بلدات المنطقة تجاوزت 60 إلى 80 بالمئة، الأمر الذي جعل عودة الأهالي عملية معقدة ومكلفة.
ورغم تحرير المنطقة، ما تزال عودة السكان تصطدم بجملة من التحديات، أبرزها ارتفاع تكاليف مواد البناء بشكل كبير، إذ تضاعفت أسعار الإسمنت والحديد عدة مرات مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية للسكان وغياب مصادر الدخل المستقرة. كما أن الكثير من المنازل تحتاج إلى إعادة تأهيل شبه كاملة، ما يفوق إمكانيات معظم العائلات.
في هذا السياق، يقول أحد أهالي بلدة حاس، أبو محمد، في مداخلة لموقع سوريا 24: “بيتنا تضرر بشكل كبير خلال القصف، ومن وقت النزوح ونحن نحلم بالعودة، لكن تكلفة الترميم كانت أكبر من قدرتنا بكثير. مثل هذه المشاريع تعطينا أملا حقيقيا، لأنها تساعدنا على الرجوع والعيش بكرامة بدل البقاء في المخيمات”.
ويضيف: “حتى لو كان الدعم جزئيا، فهو يخفف عبئا كبيرا، لأن أسعار مواد البناء مرتفعة جدا، ولا يمكن لأي عائلة الاعتماد على نفسها في ظل الظروف الحالية”.
وتبرز أهمية هذه المشاريع في كونها لا تساهم فقط في إعادة إعمار المنازل، بل تلعب دورا محوريا في إعادة الاستقرار المجتمعي، والحد من الاعتماد على المخيمات، وتهيئة بيئة أكثر أمانا للسكان، خاصة مع ارتباط العودة بتوفر الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
في ظل الدمار الواسع والتحديات الاقتصادية الخانقة، تشكل مشاريع ترميم المنازل في ريف إدلب الجنوبي شريان حياة حقيقيا لآلاف العائلات النازحة، إذ تفتح الباب أمام عودة تدريجية إلى المناطق الأصلية، وتعيد إحياء مجتمعات أنهكتها الحرب، رغم استمرار العقبات التي تجعل طريق العودة طويلا وشاقا.