تمديد الدوام الحكومي في سوريا.. بين تحسين الخدمات وأعباء الموظفين

حجم الخط

خاص – منيرة بالوش

يثير قرار تمديد الدوام في المؤسسات الحكومية السورية إلى ثماني ساعات يومياً، اعتباراً من الأول من كانون الأول المقبل، تساؤلات بشأن قدرته على تحسين الخدمات العامة، وسط مخاوف موظفين من زيادة الأعباء المعيشية والأسرية، وتحذيرات مختصين من أن إطالة ساعات الحضور لا تعني بالضرورة ارتفاع الإنتاجية.

ويأتي القرار في وقت تواجه فيه المؤسسات العامة تحديات تتعلق بكفاءة الأداء وسرعة إنجاز المعاملات، فيما تتجه تجارب دولية إلى إعادة تنظيم ساعات العمل وتعزيز مرونتها، بدلاً من الاعتماد على مدة الحضور وحدها.

وكانت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية قد أصدرت القرار رقم 1616، الذي حدد الدوام الرسمي للجهات العامة ذات الطابع الإداري من الثامنة صباحاً حتى الرابعة عصراً، مستنداً إلى القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004 وتعديلاته.

أعباء تتجاوز ساعة العمل الإضافية

بالنسبة إلى موظفين تحدثوا لـ”سوريا بلس“، لا تقتصر آثار القرار على تمديد الدوام ساعة إضافية، بل تشمل تكاليف التنقل والوقت المخصص للأسرة، خصوصاً بالنسبة إلى العاملين المقيمين خارج المدن.

ويقول رضا طالب، الموظف في ريف دمشق، إن تمديد الدوام قد يضيف ضغوطاً نفسية ومعيشية، دون أن يحقق بالضرورة تحسناً ملموساً في الأداء.

ويوضح أن الموظفين القادمين من المناطق الريفية سيضطرون، ولا سيما شتاءً، إلى مغادرة منازلهم قبل شروق الشمس والعودة بعد غروبها، بسبب صعوبات المواصلات، ما يجعل يوم العمل أطول من الساعات الرسمية.

وتتفق معه موظفة حكومية فضلت عدم الكشف عن اسمها، مشيرة إلى أن بعض العاملين يضطرون أصلاً إلى البقاء بعد انتهاء الدوام لإنجاز الأعمال المتراكمة أو متابعة معاملات المراجعين.

وتتساءل عن آلية تنظيم الاستراحات خلال الدوام الجديد، وما إذا كانت زيادة ساعات الحضور ستترافق مع تعويضات مالية تراعي الأعباء الإضافية.

كما تشير إلى أن عدداً من الموظفين يعتمدون على أعمال أخرى بعد الدوام لتغطية احتياجاتهم، فيما قد تؤثر العودة المتأخرة إلى المنازل في قدرتهم على متابعة شؤون أسرهم، ولا سيما الأمهات العاملات.

في المقابل، يرى موظفون آخرون أن المشكلة لا تتعلق بقصر ساعات الدوام، بل بضعف الرقابة والتسيب الوظيفي والبطالة المقنعة وتعقيد الإجراءات.

ويشير أحدهم إلى أن مغادرة بعض العاملين قبل انتهاء الدوام تعطل معاملات المواطنين، معتبراً أن زيادة ساعات الحضور لن تحقق نتائج مختلفة ما لم تترافق مع تعزيز الانضباط الوظيفي ومحاسبة المقصرين.

ساعات أطول لا تعني إنتاجية أكبر

يرى براء الجمعة، مستشار السلوك المؤسسي والصحة النفسية، أن ربط الإنتاجية بطول ساعات الحضور يعكس نمطاً إدارياً تقليدياً لا يراعي التحولات التي شهدتها بيئات العمل.

ويقول الجمعة لـ”سوريا بلس” إن نماذج العمل تغيرت بعد جائحة كورونا، مع توسع العمل المرن والعمل عن بعد، وإعادة النظر في العلاقة بين ساعات الدوام والأداء.

ويضيف أن التطور التكنولوجي والأتمتة والذكاء الاصطناعي غيرت طبيعة مهام إدارية عديدة، فأصبح إنجازها يعتمد بدرجة أكبر على الكفاءة والمهارة وتنظيم العمل.

ويحذر من أن تمديد الدوام دون مراعاة قدرة الموظفين على الاستمرار قد يؤدي إلى الإجهاد والاحتراق الوظيفي وتراجع الحافز، بما ينعكس سلباً على جودة الأداء.

هل تحتاج المؤسسات إلى دوام أطول أم إدارة أفضل؟

من جانبه، يميز بلال صالح، المستشار في إدارة الموارد البشرية والتطوير المؤسسي، بين ثلاثة مؤشرات عند تقييم القرار: ساعات فتح المؤسسة أمام المواطنين، وساعات عمل الموظفين، وعدد المعاملات المنجزة وجودتها.

ويوضح صالح لـ”سوريا بلس” أن توسيع ساعات استقبال المراجعين قد يكون مفيداً في المؤسسات المزدحمة، لكنه لا يستلزم بالضرورة تمديد دوام جميع الموظفين.

ويقترح اعتماد نظام المناوبات وتوزيع الكوادر وفق حجم المراجعات وطبيعة الخدمات، بما يضمن استمرار العمل دون زيادة ساعات كل موظف.

ويشير إلى أن إطالة الدوام لن تعالج بطء المعاملات إذا كان ناجماً عن الإجراءات الورقية وتعدد الموافقات وضعف الأنظمة الإدارية.

وبالتالي، فإن تحسين الأداء، بحسب صالح، يتطلب تبسيط الإجراءات وتطوير الإدارة وربط العمل بمؤشرات قابلة للقياس، بدلاً من الاكتفاء بزيادة ساعات الحضور.

سوريا ودول الجوار.. اختلاف في ساعات العمل

يأتي القرار السوري في وقت تعتمد فيه دول مجاورة أنظمة دوام إداري أقصر، إذ يبلغ الدوام الحكومي المعتاد في الأردن سبع ساعات يومياً، بواقع 35 ساعة أسبوعياً، فيما اعتمدت مؤسسات عراقية نظام سبع ساعات يومياً مع اختلاف مواعيد بدء العمل.

أما لبنان، فقد حدد القانون رقم 46 لعام 2017 الدوام الرسمي بـ35 ساعة أسبوعياً، مع وجود تعديلات لاحقة ينبغي مراعاتها عند تحديد النظام المطبق حالياً.

وفي المقابل، يعادل الدوام السوري الجديد 40 ساعة حضور أسبوعياً، إذا طُبق على خمسة أيام، مع بقاء كيفية احتساب فترات الاستراحة بحاجة إلى توضيح.

وعالمياً، تشير بيانات “يوروستات” إلى انخفاض متوسط ساعات العمل الفعلية في الاتحاد الأوروبي من 36.9 ساعة أسبوعياً عام 2015 إلى 35.9 ساعة عام 2025، وهو مؤشر يشمل العاملين بدوام كامل وجزئي، ولا يُقارن مباشرة بساعات الدوام الحكومي القانونية.

كما تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى اتجاه طويل الأمد نحو انخفاض متوسط ساعات العمل في عدد من الاقتصادات المتقدمة، بالتزامن مع تطور الإنتاجية وإعادة تنظيم بيئات العمل.

غير أن اختلاف طبيعة المؤسسات والخدمات يجعل تقليص ساعات العمل أو تمديدها غير كافٍ وحده للحكم على الإنتاجية، ما يعزز أهمية تقييم النتائج الفعلية لأي تغيير في نظام الدوام.

الجانب القانوني.. ماذا عن فترات الاستراحة؟

إلى جانب الجدل الإداري والمعيشي، يطرح القرار تساؤلات بشأن تنظيم ساعات العمل الفعلية وفترات الاستراحة.

ويرى المحامي أحمد مزنوق أن تقييم القرار قانونياً يستلزم الرجوع إلى القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004، ولا سيما الحدود اليومية والأسبوعية لساعات العمل.

وتنص المادة 42 من القانون، كقاعدة عامة، على ألا تقل ساعات العمل اليومية الفعلية عن ست ساعات، وألا تتجاوز ثماني ساعات يومياً و48 ساعة أسبوعياً، مع استثناءات يحددها القانون.

كما تنص على عدم احتساب فترات الطعام والراحة ضمن ساعات العمل الفعلية، ما يثير تساؤلات بشأن كيفية تنظيمها خلال الفترة الممتدة من الثامنة صباحاً حتى الرابعة عصراً.

ويقترح مزنوق تخصيص استراحة من الثانية عشرة ظهراً حتى الواحدة، بما يتيح للموظفين تناول الطعام وأداء الصلاة وقضاء احتياجاتهم الشخصية.

كذلك، يدعو إلى مراعاة ظروف الأمهات المرضعات والعاملين القادمين من المناطق الريفية، من خلال ترتيبات إدارية تتناسب مع طبيعة العمل وصعوبات التنقل.

تحسين الخدمات.. كيف تُقاس النتائج؟

يتجاوز الجدل بشأن تمديد الدوام مسألة إضافة ساعة إلى يوم العمل، ليطرح سؤالاً حول قدرة المؤسسات الحكومية على تحويل الوقت الإضافي إلى تحسن ملموس في الخدمات.

فزيادة ساعات استقبال المواطنين قد تسهم في تخفيف الازدحام، لكنها لا تضمن وحدها تسريع إنجاز المعاملات أو معالجة الروتين وضعف الرقابة.

وفي المقابل، فإن الأعباء المعيشية وصعوبات المواصلات والالتزامات الأسرية تمثل عوامل قد تؤثر في كفاءة الموظفين واستمرارية أدائهم.

لذلك، تبرز الحاجة إلى مؤشرات واضحة لتقييم نتائج القرار بعد تطبيقه، تشمل عدد المعاملات المنجزة، ومتوسط زمن الانتظار، ومستوى رضا المواطنين، ومدى الالتزام بساعات العمل.

فهل تنجح زيادة ساعات الدوام في تحسين أداء المؤسسات الحكومية، أم تكشف التجربة أن المشكلة الأساسية تكمن في إدارة الوقت والإجراءات، لا في عدد ساعات العمل؟