تشهد مناطق عدة في ريف دمشق موجة غضب شعبي غير مسبوقة، تُرجمت إلى حملات مقاطعة واسعة للفروج ومشتقاته، بما في ذلك الشاورما والوجبات السريعة، وذلك على خلفية الارتفاع الحاد في الأسعار منذ شهر رمضان وحتى اليوم، ما أدى إلى خروج هذه المادة الأساسية من موائد معظم المواطنين.
وسجلت أسعار الفروج مستويات قياسية، إذ بلغ سعر كيلو الشرحات نحو 95 ألف ليرة سورية بعد أن كان بحدود 50 ألفا، فيما ارتفع سعر سندويشة الشاورما إلى 30 ألف ليرة بعد أن كانت 18 ألفا، ووصل سعر الفروج المشوي إلى 150 ألف ليرة، في حين تراوح سعر وجبات البروستد بين 180 و200 ألف ليرة في بعض المحال.
هذه القفزات السعرية الكبيرة فجّرت حالة من الاستياء الشعبي، دفعت الأهالي إلى إطلاق دعوات واسعة للمقاطعة، بهدف الضغط على التجار والجهات المعنية لضبط الأسعار بما يتناسب مع القدرة الشرائية المتدهورة.
في مدينة التل بريف دمشق، أغلقت نحو 70 بالمئة من محال بيع الوجبات السريعة والفروج أبوابها، في خطوة تضامنية مع حملات المقاطعة، مع إعلان أصحابها الاستعداد للوقوف إلى جانب المواطنين في مواجهة الغلاء غير المسبوق. المشهد ذاته تكرر في مدينة حرستا بالغوطة الشرقية، حيث شارك نحو 90 بالمئة من المحال في الإضراب وأغلقت أبوابها، استجابة لدعوات المقاطعة.
وامتدت الحملة إلى مناطق القلمون، إذ شهدت مدينة رنكوس مشاركة واسعة من الأهالي، الذين أكدوا أن امتناعهم عن شراء الفروج بدأ قبل الحملة نتيجة الغلاء، قبل أن تتوسع المشاركة لتشمل بلدات تلفيتا وعين منين، وسط التزام ملحوظ بمقاطعة شراء الفروج والوجبات المرتبطة به.
ويرصد ناشطون إضراب عدد كبير من محال الفروج في ريف دمشق، في خطوة احتجاجية تعكس حجم الأزمة، فيما تشهد مدينة التل حالة تفاعل واسعة بعد إعلان عدد من المحال والمطاعم مقاطعة بيع وشراء الدجاج، اعتراضا على ارتفاع أسعاره بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة.
وبحسب ما رصدته سوريا 24، بدأت حملة المقاطعة تؤتي نتائج أولية، إذ سجلت الأسواق انخفاضا نسبيا في الأسعار خلال الساعات الماضية، بعد أن وصل سعر طن الفروج إلى 3000 انخفض إلى 2200، بالتزامن مع طرح عروض من قبل بعض المحال التي واجهت كسادا في بضائعها. كما انضمت مدينة حرستا رسميا إلى الحملة، حيث قرر معظم أصحاب مطاعم الشاورما ومراكز بيع الفروج إغلاق محالهم حتى انتهاء المقاطعة، في خطوة تعكس اتساع رقعة الحراك الشعبي.
وفي هذا السياق، يقول أحد سكان مدينة التل، أبو أحمد، إن “المقاطعة هي وعي وليست مجرد وسيلة ضغط أو توفير”، مضيفا أن رفض الشراء بأسعار غير منطقية يمثل رسالة واضحة للسوق بضرورة إعادة التوازن، مؤكدا أن الفروج “ليس مادة رفاهية”، وأن المستهلك هو من يحدد متى يشتري وبأي سعر.
وأكد أحد أصحاب محال بيع الفروج في مدينة التل بريف دمشق، التزامه بحملة المقاطعة، مشيرا إلى أنه أوقف بيع الفروج بشكل كامل إلى حين انخفاض أسعاره، استجابة لحالة الغضب الشعبي. وبيّن أن المبيعات لديه تراجعت بنسبة تصل إلى 60 بالمئة، ما دفعه إلى محاولة التعويض عبر بيع بدائل أخرى مثل السمك وشاورما اللحم والبطاطا، مع الاستمرار في الامتناع عن بيع الفروج.
وفي مداخلة أخرى، أوضح صاحب محل ثان أن المقاطعة بدأت تُظهر نتائج ملموسة، حيث انخفض سعر كيلو الشرحات إلى نحو 75 ألف ليرة بعد أن كان 95 ألفا، معتبرا ذلك مؤشرا إيجابيا على فعالية الحملة. وأضاف أنه منخرط أيضا في الإضراب، ويقتصر عمله حاليا على بيع السمك فقط، دعما لجهود الضغط الشعبي لخفض الأسعار.
من جانبه، حذّر أحد المشاركين في الحملة، مؤيد، مما وصفه بـ”خدعة العروض”، داعيا الأهالي إلى عدم الانجرار وراء التخفيضات المؤقتة، ومواصلة المقاطعة حتى تحقيق انخفاض حقيقي ومستدام في الأسعار، معتبرا أن المقاطعة تمثل “أداة ضغط بيد المواطنين للحد من جشع بعض التجار”.
وتعكس هذه التحركات الشعبية تحولا في سلوك المستهلك السوري، الذي بات يلجأ إلى المقاطعة كوسيلة ضغط اقتصادية في ظل تدهور القدرة الشرائية، في محاولة لفرض توازن جديد في الأسواق.
المقاطعة كسلاح فعال في تجارب عالمية
لم تكن حملات المقاطعة الشعبية ظاهرة محلية فحسب، بل أثبتت فعاليتها في العديد من التجارب العالمية، حيث لعبت دورا حاسما في تغيير سياسات اقتصادية وتجارية.
وفي سياق اقتصادي، شهدت عدة دول حملات مقاطعة لمنتجات شركات كبرى أدت إلى تراجع مبيعاتها وإجبارها على تعديل سياساتها أو أسعارها، ما يعكس قوة هذا السلاح عندما يحظى بتأييد شعبي واسع ومنظم.
وتؤكد هذه التجارب أن المقاطعة، حين تتحول إلى فعل جماعي واع ومستمر، قادرة على إحداث تأثير حقيقي، سواء على مستوى الأسعار أو السياسات، وهو ما يراهن عليه السوريون اليوم في حملتهم ضد الغلاء.
