تتزايد شكاوى مزارعي التفاح في بلدة سرغايا بريف دمشق، وسط أزمة تسويق خانقة تهدد أحد أبرز المواسم الزراعية في المنطقة، في ظل استمرار استيراد التفاح من الخارج، ما أدى إلى تراجع الطلب على المنتج المحلي وتكدّسه في برادات التخزين منذ أشهر.
ووجّه مزارعون في سرغايا مناشدات إلى وزارة الزراعة، طالبوا فيها بوقف استيراد التفاح بشكل مؤقت، ودعم الإنتاج المحلي، محذرين من تداعيات استمرار الوضع الحالي على آلاف الأسر التي تعتمد بشكل أساسي على هذا القطاع.
وفي حديث خاص لموقع “سوريا 24”، قال المزارع وسيم مظفر إن بلدة سرغايا تُعد من أهم المناطق المنتجة للفواكه في سوريا، لا سيما التفاح والكرز والإجاص، مشيرًا إلى أن معظم إنتاجها كان يُوجّه للتصدير نحو دول مثل الأردن ومصر والعراق وروسيا، ما كان يدرّ عائدات كبيرة من القطع الأجنبي على البلاد.
وأوضح مظفر أن “القطاع الزراعي في سرغايا لطالما شكل مصدرًا مهمًا لدعم الاقتصاد الوطني، إذ إن تصدير الفواكه كان يرفد البلاد بملايين الدولارات سنويًا، على عكس الاستيراد الذي يؤدي إلى خروج العملة الصعبة من السوق المحلية”، مضيفًا أن الفلاح، رغم استفادته من بيع محصوله، يضطر لإنفاق جزء كبير من أرباحه على مستلزمات الإنتاج، مثل الأسمدة وأجور العمال وتكاليف التخزين.
ويعتمد مزارعو التفاح في المنطقة على برادات مخصصة لحفظ المحصول بعد قطافه، ما يتيح تسويقه على مدار أشهر، إلا أن استمرار تدفق التفاح المستورد من دول مثل تركيا وإيطاليا وإيران، أدى إلى كساد الإنتاج المحلي، رغم بقائه أقل سعرًا في الأسواق.
تعد بلدة سرغايا من أكبر المناطق المنتجة للفواكه في سوريا، إذ يتجاوز إنتاجها السنوي من التفاح 50 ألف طن، إضافة إلى نحو 25 ألف طن من الإجاص، و10 آلاف طن من الكرز، فضلًا عن ما يقارب 10 آلاف طن من الدراق والخوخ والمشمش.
ورغم هذا الإنتاج الضخم، يواجه المزارعون ضغوطًا متزايدة دفعت العديد منهم خلال الأيام الأخيرة إلى بيع محصول التفاح بأسعار منخفضة، نتيجة تراكم الديون وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، من أسمدة ومبيدات، بالتزامن مع بدء موسم زراعي جديد يتطلب نفقات إضافية. ويؤكد المزارعون أن عدم قدرتهم على الانتظار لتصريف المحصول بأسعار عادلة، أجبرهم على البيع بخسارة لتأمين السيولة اللازمة لمتابعة العمل في أراضيهم.
وأشار مزارعون إلى أن سعر كيلو التفاح المستورد يصل إلى نحو 19 ألف ليرة سورية، في حين يُباع التفاح المحلي عالي الجودة بأسعار تتراوح بين 10 و12 ألف ليرة فقط، ورغم ذلك يواجه صعوبة في التسويق، وهو ما يعزوه المزارعون إلى تفضيل بعض التجار للمنتج المستورد بسبب أساليب التعبئة والتغليف.
وأكد مظفر أن “التفاح السوري لا يقل جودة عن نظيره المستورد، بل يتفوق عليه في كثير من الأحيان، إلا أن غياب سياسات تنظيم السوق يضعف فرص المنافسة”، لافتًا إلى أن استمرار الاستيراد في ذروة توفر الإنتاج المحلي يضر بالفلاح والاقتصاد على حد سواء.
وطالب المزارعون باتباع سياسات حمائية مماثلة لما تقوم به بعض الدول، كإغلاق باب الاستيراد خلال مواسم الإنتاج المحلي، لإتاحة الفرصة أمام الفلاحين لتصريف محاصيلهم بأسعار عادلة، قبل إعادة فتح الاستيراد عند الحاجة.
وفي السياق، اشتكى مزارعون من غياب الدعم الحكومي الفعلي للقطاع الزراعي، مشيرين إلى أن ما يُقدّم عبر بعض الجمعيات محدود ولا يلبي الاحتياجات، بل إن بعض الشتول الموزعة تكون غير صالحة، ما يضطرهم لشرائها من السوق بأسعار مرتفعة تصل إلى 30 ألف ليرة للشجرة الواحدة.
كما أشاروا إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل كبير، مقابل انخفاض العائدات، ما يدفع بعضهم للتفكير بالعزوف عن الزراعة، في ظل غياب حلول ملموسة منذ سنوات طويلة.
وتُعد سرغايا، التابعة لمنطقة الزبداني، من أبرز خزانات التفاح في ريف دمشق، إذ تضم نحو 900 ألف شجرة، ويصل إنتاجها في المواسم الجيدة إلى نحو 10 آلاف طن سنويًا. وتمتد الأراضي الزراعية فيها على مساحات واسعة، وتتميّز بإنتاج أصناف عالية الجودة من التفاح والكرز والإجاص والدراق، ما جعلها مركزًا مهمًا للتصدير الزراعي.
ورغم هذه الأهمية، يقف المزارعون اليوم أمام تحديات متزايدة تهدد استمرارية هذا القطاع، في ظل غياب سياسات تسويقية فعالة، واستمرار الاستيراد دون ضوابط، ما يضع الإنتاج المحلي في مواجهة غير متكافئة مع المنتجات الأجنبية.
ويحذر مزارعو سرغايا من أن استمرار هذه الأزمة قد يؤدي إلى خسائر فادحة، ليس فقط على مستوى الفلاحين، بل على صعيد الاقتصاد الوطني ككل، في وقت يُفترض فيه دعم الإنتاج المحلي وتعزيز الاكتفاء الذاتي.
