في ورشة متواضعة بمدينة التل بريف دمشق، تتناثر قطع الخشب الصغيرة بعناية لتشكل لوحات من الموزاييك الدمشقي، الحرفة التي ارتبطت تاريخيًا بهوية العاصمة السورية. هنا، يعمل الحرفي ياسر رضوان الغضبان (46 عامًا)، الذي يعد من أوائل من أدخلوا هذه المهنة إلى مدينة التل، مستندًا إلى خبرة تمتد لأكثر من عقدين.
يقول الغضبان: “افتتحت أول ورشة موزاييك في التل عام 2005، بعد أن تعلمت المهنة في قرية معرونة، ومنذ ذلك الحين وأنا مستمر رغم كل الظروف”.
ضرائب الحرب ومعاناة الحواجز
لم تكن هذه الاستمرارية سهلة، فخلال سنوات الثورة واجه الحرفيون تحديات قاسية، أبرزها تأمين المواد الأولية. يوضح الغضبان أنهم اضطروا لجلب الأخشاب من مناطق خطرة في وادي بردى، أو من الساحل السوري، في ظل نقص حاد وارتفاع كبير في الأسعار. “كنا نخاطر بحياتنا لنؤمن خشب الجوز والمشمش والزيتون، فقط لنحافظ على استمرارية العمل”، وفق ما أكده ياسر.
ورغم تلك الظروف، توسعت الورشة تدريجيًا، من عاملين اثنين إلى نحو 30 عاملًا، قبل أن تتراجع الأعداد لاحقًا مع اشتداد الأزمات الاقتصادية وتراجع الطلب، ومع ذلك تحتضن مدينة التل اليوم نحو ثماني ورش لصناعة الموزاييك الدمشقي.
المشكلة الأكبر: التسويق
حرفيون آخرون في المنطقة يروون تجربة مشابهة. يقول أحدهم إن “المشكلة اليوم لم تعد في الإنتاج، بل في القدرة على بيع المنتج”، مشيرًا إلى أن القطعة الواحدة قد تحتاج أشهرًا من العمل، لكنها تباع بسعر لا يعكس الجهد المبذول، بسبب تحكم التجار بالسوق وضعف القدرة الشرائية محليًا.
هذا الواقع دفع كثيرين للتفكير بترك المهنة. ويؤكد حرفي آخر أن “عددًا من الشباب الذين تعلموا الموزاييك اتجهوا لأعمال أخرى توفر دخلًا أسرع، لأن هذه الحرفة تحتاج وقتًا طويلًا ولا تضمن مردودًا مستقرًا”.
المعارض الخارجية… فرصة غير متاحة للجميع
في المقابل، حاول بعض الحرفيين البحث عن فرص خارجية عبر المعارض. الغضبان كان من بين المشاركين في معارض داخل سوريا وخارجها، من بينها معرض دمشق الدولي ومعارض في السعودية، ويصف تلك التجارب بأنها “نافذة حقيقية للتعريف بالحرفة وتسويقها”.
لكنه يشير إلى أن هذه الفرص تبقى محدودة، وغالبًا ما تكون مكلفة: “المشاركة في بعض المعارض الخارجية تحتاج مبالغ كبيرة، وهذا غير ممكن لمعظم الحرفيين”.
بين الدعم الرسمي والواقع
وفي ظل غياب سوق محلية نشطة، يبرز مطلب مشترك بين الحرفيين بضرورة فتح قنوات تسويق جديدة، سواء داخل دمشق أو خارج البلاد. ويقول ياسر: “نحن لا نحتاج دعمًا ماليًا مباشرًا بقدر ما نحتاج أماكن نبيع فيها منتجاتنا، في أسواق حقيقية يرتادها الناس”.
إلى جانب التسويق، تبرز مشكلات أخرى تتعلق بارتفاع أسعار المواد الأولية واحتكار بعضها، إضافة إلى نقص الإكسسوارات اللازمة لإخراج القطع بجودة عالية، ما ينعكس على المنتج النهائي.
ورغم وجود بعض المبادرات الرسمية لدعم الحرفيين، سواء عبر معارض أو دورات تدريبية، يرى كثيرون أن هذه الجهود لا تزال غير كافية. ويأمل الحرفيون أن تتحول هذه المبادرات إلى خطط أكثر استدامة، تضمن استمرارية المهنة.
برز في حديث الحرفيين دور كل من اتحاد الحرفيين ووزارة السياحة بوصفهما جهتين معنيتين بدعم هذا القطاع، لكن النتائج على الأرض ما تزال محدودة. فبينما يشير الحرفيون إلى أن وزارة السياحة قدّمت بعض الدعم، سواء عبر تنظيم معارض داخلية وخارجية أو إتاحة المشاركة في سوق المهن التراثية، إلا أن هذه الجهود لا تزال، بحسب وصفهم، غير كافية لتعويض ضعف التسويق وغياب السياحة.
في المقابل، يواجه اتحاد الحرفيين انتقادات أوسع، إذ يقتصر دوره، وفق الحرفيين، على الاجتماعات والوعود دون خطوات عملية واضحة، خاصة فيما يتعلق بتأمين أسواق دائمة أو تسهيل المشاركة في معارض خارجية بتكاليف مناسبة. ويؤكد الحرفيون أن المطلوب اليوم ليس دعمًا نظريًا، بل تدخل فعلي يفتح قنوات تسويق حقيقية ويمنح هذه المهن فرصة للاستمرار.
خطر اندثار المهنة
يحذر الحرفيون في التل من تراجع المهنة بشكل خطير:
“كثير من الحرفيين تركوا العمل لأنهم لا يستطيعون تأمين لقمة العيش، والموزاييك الدمشقي مهدد بالاندثار”، حسب قولهم.
اليوم، وبين تراجع الإقبال المحلي وغياب السياحة، يقف الموزاييك الدمشقي أمام تحدٍ حقيقي. فالحرفة التي لطالما شكّلت جزءًا من الهوية الثقافية السورية، باتت مهددة بفقدان استمراريتها، في حال لم تتوفر لها بيئة اقتصادية تساعد على بقائها. ورغم ذلك، لا يزال بعض الحرفيين، مثل ياسر الغضبان، متمسكين بها، مدفوعين بشغفهم وإيمانهم بقيمتها. “هذه ليست مجرد مهنة، بل تراث نحاول الحفاظ عليه”، يقول، قبل أن يعود إلى قطع الخشب الصغيرة، يركبها بصبر، وكأنه يعيد تشكيل حكاية دمشق قطعةً قطعة.
