على الضفة الشرقية لنهر الفرات، تقع بلدة الباغوز في أقصى الريف الشرقي لمحافظة دير الزور، قرب الحدود السورية–العراقية، وتتبع إداريا لمدينة البوكمال.
هنا، أعلن في 19 آذار/مارس 2019 انتهاء السيطرة الجغرافية لتنظيم “داعش”، في معركة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل محطة مفصلية تركت آثارا عميقة لا تزال البلدة تعيشها حتى اليوم.
رغم مرور سبع سنوات، تبدو البلدة هادئة نسبيا، لكن هذا الهدوء يخفي واقعا مركبا، حيث لا تزال تداعيات المعركة حاضرة في البنية التحتية وفي حياة السكان، وفي النسيج الاجتماعي الذي لم يتعاف بالكامل.
من الحصار إلى الانهيار
في حديث خاص لـ”سوريا 24”، يستعيد أحد أعيان البلدة، فضل عدم الكشف عن اسمه، تفاصيل الأيام الأخيرة من المعركة، قائلا إن ما شهدته الباغوز “كان من أقسى وأعقد تجارب الحرب”، حيث عاش السكان تحت حصار خانق تزامن مع قصف مكثف من قبل قوات التحالف الدولي وقسد، في ظل انعدام الغذاء والدواء والمشتقات النفطية.
ويضيف: “كنا محاصرين بالكامل… لا ممرات آمنة، ولا أي وسيلة للخروج”.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما بين 10 آلاف و20 ألف مدني كانوا محاصرين داخل الجيب الأخير، في مساحة جغرافية ضيقة لا تتجاوز واحد كيلومتر مربع شهدت تداخلا غير مسبوق بين المدنيين والمقاتلين.
ويؤكد محدثنا أن الحصار خلف آثارا نفسية واجتماعية عميقة، مع انتشار سوء التغذية والأمراض، وتفكك واضح في البنية المجتمعية، فيما شكلت الألغام المنتشرة في محيط البلدة خطرا دائما، وتسببت بسقوط ضحايا بين المدنيين الفارين.
معركة تخلف واقعا إنسانيا كارثيا
لم تكن معركة الباغوز مواجهة تقليدية، بل جرت ضمن رقعة ضيقة، ما جعلها من أكثر العمليات تعقيدا. وفي هذا السياق، أعلنت “قسد”، في حينه، إجلاء نحو 34 ألف مدني منذ بداية عام 2019، كما أشارت إلى استسلام ما يقارب 29,600 شخص من عناصر التنظيم وعائلاتهم، بينهم أكثر من 5,000 مقاتل.
وفي موازاة ذلك، قدرت القيادة المركزية الأمريكية أن أكثر من 60 ألف شخص خرجوا من الجيب الأخير خلال الأسابيع التي سبقت إعلان نهاية المعركة، فيما أفادت بيانات الأمم المتحدة بتدفق أكثر من 62 ألف نازح إلى مخيم الهول.
ويتابع شاهدنا أن هذه الأرقام تعكس حجم التعقيد الذي شهدته المنطقة، حيث امتدت المعركة لنحو 43 يوما من القتال المكثف، في ظل وجود آلاف المدنيين واستخدام التنظيم لأساليب قتالية معقدة.
نهاية المعركة… والدمار الواسع
في 19 آذار/مارس 2019، أعلن انتهاء المعركة رسميا، مع سقوط آخر معاقل التنظيم. وبعد دخول “قسد” والتحالف الدولي، تكشف حجم الدمار الكبير الذي طال البلدة.
وبحسب تقديرات محلية نقلها شاهدنا، فإنه تم تدمير أكثر من 1500 منزل بشكل كامل، إلى جانب أضرار واسعة في المدارس والمرافق الخدمية، فضلا عن خسائر كبيرة في القطاع الزراعي.
ورغم إعلان نهاية السيطرة العسكرية، يؤكد المتحدث أن التنظيم لم ينته بالكامل، بل تحول إلى خلايا صغيرة تنشط بشكل متفرق، ما أبقى التهديد الأمني قائما.
نزوح قاس
يتحدث المصدر عن موجات نزوح جماعي شهدتها البلدة في الأيام الأخيرة من المعركة، حيث خرجت آلاف العائلات سيرا على الأقدام عبر طرق وعرة، وسط البرد والمطر، هربا من القتال ومن القيود التي فرضها التنظيم.
وقد وثقت وكالة فرانس برس آنذاك صورا لمدنيين في أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة، في مشاهد عكست حجم المأساة.
ويضيف: “رأينا أطفالا فقدوا ذويهم… لم يكن هناك غذاء ولا دواء ولا حتى حليب للأطفال”.
مرحلة سيطرة “قسد”… تعاف محدود تحت ضغط الواقع
عقب انتهاء المعركة، خضعت الباغوز لسيطرة قوات “قسد”، ودخلت مرحلة محدودة من التعافي التدريجي، بدعم من منظمات دولية يقودها التحالف الدولي.
شهدت البلدة خلال تلك الفترة تنفيذ مشاريع خدمية، مدعومة من التحالف، شملت إعادة إنشاء مبنى البلدية، وتشغيل فرن مركزي، وتأهيل محطات المياه، إضافة إلى إنارة بعض الطرق وتزفيتها جزئيا، ودعم القطاع الزراعي، وترميم المدارس والمركز الصحي.
كما تم، بدعم من منظمات إنسانية، انتشال نحو 640 جثة من مواقع متفرقة داخل البلدة، ورغم هذه الجهود، يؤكد الأهالي أن الخدمات لا تزال دون المستوى المطلوب، في ظل استمرار الدمار وضعف الإمكانات.
2026… تحول جديد في السيطرة
في كانون الثاني/يناير 2026، شهدت المنطقة تحولا ميدانيا جديدا ضمن تغيرات أوسع في شرق سوريا، حيث وافقت “قسد” على الانسحاب من محافظتي الرقة ودير الزور، وأن القوات الحكومية سيطرت على كامل قرى وبلدات الريف الشرقي بما فيها الباغوز.
واقع هش… وتعاف لم يكتمل
اليوم، وبحسب مراسلتنا، ما تزال مئات العائلات غير قادرة على العودة إلى منازلها بسبب الدمار، فيما يعاني القطاع التعليمي من نقص كبير، حيث تعمل ثلاث مدارس فقط، إلى جانب استخدام منازل كصفوف مؤقتة.
كما يواجه القطاع الصحي نقصا في الكوادر والتجهيزات، ما يحد من قدرته على تلبية احتياجات السكان.
جيل يحاول أن يبدأ من جديد
إلى جانب الدمار المادي، تبرز تحديات اجتماعية عميقة، خاصة لدى الأطفال الذين نشؤوا في الحرب والمخيمات، “خطاب”، أحد أبناء البلدة، كان في الثانية من عمره خلال المعركة، وقضى سبع سنوات في مخيم الهول قبل أن يعود إلى بلدته.
يقول: “كنت أظن أن المخيم هو الحياة…”
ثم يتوقف قليلا، قبل أن يختصر كل ما عاشه — وكل ما تحاول البلدة أن تعيد بناءه من جديد عبر زراعة الأمل في أرض جفت ينابيعها لسنوات، قائلا: “أريد فقط أن أعيش حياة طبيعية”.
يقف اليوم أهالي البلدة أمام مهمة صعبة: إعادة بناء ما تهدم، واستعادة الاستقرار، وترميم مجتمع أنهكته سنوات الحرب.
وفي ظل محدودية الدعم، يبقى الأمل معقودا على جهود محلية ودولية قادرة على تحويل هذه البلدة التي تحملت مخاض الحرب القاسية… إلى فرصة لبداية حياة جديدة ومستقرة.
