شكّلت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق محطة مفصلية في مسار العلاقات السورية–الأوكرانية، إذ جاءت تتويجاً لتحركات دبلوماسية متسارعة أعقبت سقوط النظام السابق، وفتحت الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية المرتبطة بالملف السوري.
وفيما يتعلق بمضمون المباحثات، قال الرئيس الشرع إن الزيارة “تؤكد توجه سوريا نحو توسيع علاقاتها الدولية بما يدعم التنمية والاستقرار”، مشيراً إلى أن النقاشات تناولت سبل تعزيز التعاون الاقتصادي وتبادل الخبرات.
من جهته، أكد زيلينسكي أن الجانبين اتفقا على “العمل معاً من أجل تعزيز الأمن وخلق فرص للتنمية”، لافتاً إلى وجود اهتمام مشترك بتبادل الخبرات، بما في ذلك في المجالات الأمنية والعسكرية. وأضاف أن المباحثات “شملت مختلف القضايا، من الأمن والدفاع إلى الطاقة والبنية التحتية”، مؤكداً استعداد بلاده لدعم جهود الاستقرار وتعزيز التعاون مع سوريا في المرحلة المقبلة.
التعاون بين البلدين يتجاوز المصالح الثنائية إلى الإقليمية
في قراءة لهذا التحرك، يرى الباحث في مركز جسور، عبد الوهاب عاصي، أن انفتاح كييف على دمشق يتجاوز الإطار الثنائي، ليصب في سياق أوسع يهدف إلى الضغط على روسيا داخل مناطق نفوذها التقليدية في الشرق الأوسط. ويوضح أن أوكرانيا تحاول، من خلال هذا الانخراط، إظهار قدرتها على التحرك في ساحات كانت تُعد حكراً على موسكو، بالتوازي مع تقديم نفسها كبديل عملي في مجالات الصيانة العسكرية والتدريب وتحديث الأنظمة التقنية.
ويشير عاصي إلى أن هذا الطرح يكتسب أهمية إضافية في ظل محدودية الخيارات المتاحة أمام دمشق، لافتاً إلى أن التقنيات الأوكرانية، ولا سيما الطائرات المسيّرة وأجهزة التشويش وأنظمة الحرب الإلكترونية، قد تمثل مدخلاً عملياً لتلبية جزء من الاحتياجات الدفاعية السورية، خاصة مع تراجع وتيرة الدعم الروسي وتعقيد مسارات الحصول على تسليح غربي.
كييف تسعى لتطويق نفوذ موسكو في المنطقة
من جهته، يضع الباحث في العلاقات الدولية، فراس بورزان، الزيارة ضمن إطار أهداف أكثر تحديداً، معتبراً أنها تأتي في سياق سعي أوكرانيا لتطويق النفوذ الروسي عبر دفع دمشق نحو تقليص حضور موسكو العسكري، ولا سيما القواعد المنتشرة في سوريا. كما يرى أن كييف تحاول فتح مسار اقتصادي موازٍ من خلال إدماج سوريا في مبادرة الحبوب الأوكرانية، بما يعزز موقعها كشريك محتمل ومنافس لروسيا في هذا المجال، إلى جانب سعيها لتحقيق مكسب دبلوماسي يتمثل في إعادة النظر بالموقف السوري من ضم شبه جزيرة القرم.
الأمن على رأس أولويات دمشق
وفي هذا السياق، يلتقي تحليل بورزان مع ما طرحه عاصي حول طبيعة الأدوات التي تمتلكها أوكرانيا، إذ يؤكد أن كييف قادرة على تقديم دعم ملموس في مجالات تطوير القدرات العسكرية السورية، مستفيدة من خبرتها في التعامل مع الأسلحة السوفيتية والروسية، إضافة إلى تطورها في مجال الطائرات المسيّرة، سواء الجوية أو البحرية.
ورغم هذا التقارب المتسارع، يتفق الباحثان على أن العلاقة تبقى محكومة بسقف سياسي واضح، إذ من غير المرجح أن تذهب دمشق بعيداً في استعداء موسكو. وفي هذا الإطار، يرى بورزان أن سوريا قد تسعى إلى توظيف هذه العلاقة كورقة توازن في مفاوضاتها مع روسيا، دون الانزلاق نحو قطيعة كاملة، وهو ما يعكس محاولة للحفاظ على هامش مناورة في بيئة إقليمية معقدة.
كما تشير المعطيات إلى وجود دور إقليمي في الدفع بهذا المسار، حيث يُنظر إلى التحركات التركية بوصفها عاملاً مساهماً في تشجيع هذا التقارب، ضمن سعي أوسع لإعادة ترتيب موازين النفوذ في المنطقة.
العلاقات السورية–الأوكرانية
تاريخياً، تعود العلاقات بين أوكرانيا وسوريا إلى عام 1992، حيث اتسمت بطابع دبلوماسي محدود دون أن تصل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، شهدت العلاقات فتوراً تدريجياً، قبل أن تصل إلى القطيعة في عام 2022 على خلفية الحرب الروسية–الأوكرانية.
وبدأت ملامح التحول بعد سقوط نظام الأسد، حيث أوفدت كييف وزير خارجيتها إلى دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد أيام من التغيير السياسي، في خطوة عكست رغبة مبكرة بإعادة فتح قنوات التواصل. وترافق ذلك مع تحركات عملية، من بينها تقديم شحنات من القمح إلى سوريا في إطار التعاون الغذائي.
كما شهد عام 2025 لقاءً بين الرئيس أحمد الشرع ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، في أول تواصل سياسي مباشر بين الطرفين، ما مهّد لاستئناف العلاقات وتطورها لاحقاً على مستويات متعددة.