تصادف اليوم الثلاثاء الذكرى السنوية الثامنة لمجزرة السلاح الكيماوي في مدينة دوما بريف دمشق، إحدى أبرز الهجمات التي هزّت الضمير العالمي خلال سنوات الثورة السورية، والتي ما تزال تداعياتها السياسية والإنسانية والقانونية حاضرة حتى اليوم، في ظل غياب المساءلة الدولية الحاسمة.
هجوم في سياق الحسم العسكري
وقعت مجزرة دوما في 7 نيسان/أبريل 2018، ضمن حملة عسكرية واسعة شنّتها قوات النظام السابق، بدعم مباشر من الطيران الروسي وميليشيات مدعومة من إيران، للسيطرة على مدن وبلدات الغوطة الشرقية، التي كانت آنذاك آخر معاقل المعارضة قرب العاصمة دمشق.
وخلال تلك الفترة، كانت المفاوضات جارية لإخراج مقاتلي المعارضة وبعض المدنيين من المدينة، ضمن اتفاقات “التسوية”، إلا أن تعثر تلك المفاوضات دفع، وفق معطيات ميدانية وشهادات محلية، إلى استخدام السلاح الكيماوي كوسيلة ضغط لإجبار السكان والفصائل على القبول بالخروج، وهو ما تحقق لاحقاً بعد أيام قليلة من الهجوم.
تفاصيل ليلة الاختناق
شهدت دوما في ذلك اليوم هجومين كيماويين متتاليين. الأول وقع قرابة الساعة الثالثة عصراً قرب مبنى “فرن سعدة”، وأدى إلى إصابة نحو 15 شخصاً بحالات اختناق وصعوبة في التنفس.
أما الهجوم الثاني، وهو الأعنف، فوقع مساءً قرابة الساعة الثامنة، حين ألقت مروحيات تابعة للنظام برميلين متفجرين محملين بغازات سامة على مبنيين سكنيين في منطقة النعمان قرب ساحة الشهداء.
وأسفر الهجوم، وفق توثيقات محلية، عن مقتل ما لا يقل عن 39 مدنياً خنقاً، بينهم 10 أطفال و15 امرأة، وإصابة نحو 550 شخصاً بأعراض تنفسية وعصبية.
في حين وثّق الدفاع المدني السوري مقتل 41 مدنياً وإصابة أكثر من 500 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال الذين كانوا مختبئين في الأقبية هرباً من القصف.
المشاهد التي أعقبت الهجوم كانت صادمة؛ حيث تكدست جثث الضحايا فوق بعضها داخل الأبنية، وبدت على وجوههم علامات الاختناق، من ازرقاق الجلد وخروج الزبد من الفم، في مشهد أعاد إلى الأذهان أسوأ صور استخدام الأسلحة المحظورة.
استهداف ممنهج للبنية الطبية
لم يقتصر الهجوم على استخدام السلاح الكيماوي، بل سبقه واستتبعه استهداف مباشر للقطاع الطبي وفرق الإنقاذ. إذ تعرض مشفى دوما التخصصي وشعبة الهلال الأحمر للقصف قبل ساعات من الهجوم، كما استُهدفت سيارات الإسعاف والطرق المؤدية إلى موقع القصف بعد وقوعه، ما أعاق عمليات الإغاثة وزاد من عدد الضحايا.
نتائج الهجوم: تهجير وسيطرة
بعد خمسة أيام فقط من المجزرة، أحكمت قوات النظام سيطرتها على مدينة دوما، في حين تم تهجير آلاف المدنيين والمقاتلين إلى مناطق شمالي سوريا، في إطار اتفاقات الإجلاء القسري، لتنتهي بذلك معركة الغوطة الشرقية التي استمرت لسنوات.
إثبات استخدام الكلور
في آذار/مارس 2019، أكدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية استخدام مادة سامة خلال الهجوم على دوما. وأظهر التقرير النهائي لبعثة تقصي الحقائق أن العينات الطبية والبيئية التي جُمعت من الموقع تشير إلى استخدام “الكلور الجزيئي” في الهجوم.
هذا الاستنتاج عزّز الاتهامات الدولية للنظام السابق باستخدام أسلحة محظورة، رغم نفي دمشق المتكرر، ودعم موسكو لموقفها.
خلافات دولية وتشكيك روسي
عقب صدور التقرير، شنت روسيا حملة انتقادات حادة ضد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في محاولة لتقويض نتائج التحقيق. ووصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خبراء المنظمة بأنهم “قذرون”، في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً.
في المقابل، أكد المدير العام للمنظمة فيرناندو أرياس تمسكه بنتائج التحقيق، مشدداً على مصداقية الأدلة التي تثبت استخدام الكلور في الهجوم.
مسار التحقيق والمساءلة
في تموز/يوليو 2019، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تشكيل فريق تحقيق جديد يتمتع بصلاحيات تحديد الجهة المسؤولة عن الهجمات الكيماوية في سوريا، بما في ذلك هجوم دوما.
وجاء ذلك بعد توسيع صلاحيات المنظمة بقرار من الدول الأعضاء، في خطوة هدفت إلى سد الفراغ الذي تركه عجز مجلس الأمن عن اتخاذ إجراءات حاسمة بسبب الانقسامات الدولية.
غير أن هذا المسار واجه عراقيل كبيرة، أبرزها رفض النظام السوري التعاون مع فريق التحقيق، ومنعه من دخول البلاد، إضافة إلى رفضه الاعتراف بنتائج التحقيقات.
طمس الأدلة واتهامات بالتلاعب
في تطور لاحق، كشفت المنظمة في تقرير صدر عام 2021 أن النظام السوري قام بنقل وتدمير أسطوانتين يُشتبه باستخدامهما في الهجوم، دون إبلاغ المنظمة أو الحصول على موافقتها.
وادعت دمشق أن الأسطوانتين دُمِّرتا نتيجة غارة جوية إسرائيلية استهدفت موقعاً تحت الأرض، إلا أن التقرير أشار إلى عدم إخطار المنظمة بنقل الأدلة، ما أثار شكوكاً بشأن محاولة طمس معالم الجريمة.
استمرار الغموض حول البرنامج الكيماوي
وفي آذار/مارس 2022، أكدت مسؤولة أممية رفيعة أن السلطات السورية لم تقدم المعلومات المطلوبة بشأن برنامجها الكيماوي، وأن إعلانها إنهاء هذا البرنامج “غير دقيق وغير كامل”، مشيرة إلى وجود تناقضات وثغرات في البيانات المقدمة، بما يخالف قرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها القرار 2118.
جريمة حرب وفق القانون الدولي
بحسب اللجنة السورية لحقوق الإنسان، فإن استخدام السلاح الكيماوي في دوما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ويعد جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
كما يتعارض مع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا سيما القرارات 2118 و2209 و2235، التي تحظر استخدام هذه الأسلحة وتلزم بمحاسبة المسؤولين عنها.
ذاكرة مفتوحة ومساءلة مؤجلة
بعد ثماني سنوات على المجزرة، لا تزال دوما تمثل رمزاً لمعاناة المدنيين السوريين، ودليلاً على تعقيدات المشهد الدولي في التعامل مع الجرائم الكبرى.
ورغم توفر الأدلة والتقارير الأممية، لم تفض التحقيقات حتى الآن إلى محاسبة المسؤولين بشكل مباشر، في ظل استمرار الانقسامات السياسية على المستوى الدولي.
في المقابل، تبقى المجزرة حاضرة في ذاكرة السوريين، كشاهد على واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ النزاع، وكقضية مفتوحة تنتظر العدالة، في وقت تتواصل فيه الجهود الحقوقية لتوثيق الانتهاكات وملاحقة مرتكبيها أمام المحاكم الدولية.