القابون… عودة مكلفة إلى مدينة مدمرة تجبر سكانها على حلول سكنية خطرة

حجم الخط

تزداد أزمة السكن في حي القابون الدمشقي تعقيداً مع عودة مئات العائلات من مناطق نزوحها أو من خارج البلاد، لتصطدم بواقع عمراني منهك وارتفاع غير مسبوق في الإيجارات، ما يدفع كثيرين إلى خيارات قاسية، بعضها غير آمن أو غير صالح للعيش.

وبحسب ما أفاد به المكتب الإعلامي لمدينة القابون، يقطن الحي حالياً نحو 1500 عائلة، في منطقة سكنية كانت قد شهدت حصاراً وقصفاً عنيفاً عام 2017، خلّف دماراً يقدر بنحو 88% من الأبنية. هذا الواقع جعل عودة السكان إلى منازلهم مشروطة بإمكانيات محدودة للترميم، غالباً ما تنفذ بجهود فردية وبأدنى التكاليف.

ويقول قصي عبد الباري من المكتب الإعلامي إن كثيراً من العائدين يلجؤون إلى ترميم منازلهم “بما تيسر”، هرباً من الإيجارات المرتفعة في دمشق، لا سيما إذا كانوا يملكون منازل متضررة جزئياً. إلا أن هذا الترميم لا يخلو من المخاطر، خصوصاً مع لجوء بعض العائلات للسكن في أبنية سبق أن تعرضت للقصف، أو في مرافق غير مخصصة للإقامة.

ورغم وجود مهندسين محليين يشرفون على تقييم الأبنية وتحديد مدى قابليتها للترميم، إلا أن الحاجة الملحة للسكن تدفع بعض الأهالي إلى تجاوز هذه التوصيات، في ظل غياب بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، تبرز أزمة الإيجارات كأحد أبرز التحديات، إذ يشير المصدر إلى أن ارتفاعها لا يتناسب مع مستوى الخدمات المتاحة، فضلاً عن لجوء بعض المالكين إلى تحميل المستأجرين تكاليف ترميم المنازل. ويحدث ذلك عبر اشتراط دفع إيجار لمدة عام كامل مقدماً وبالدولار الأمريكي، مقابل السماح بالسكن في منزل متضرر، دون ضمان تجديد العقد لاحقاً، ما يتيح للمالك ترميم عقاره دون تحمل أي تكلفة فعلية.

عم تتم عملية الترميم من قبل صاحب المنزل بعدين تسليمه للمستأجر مع عدم ضمان التجديد

من جهتها، تقول الصحفية محاسن عبد الحي، وهي من أبناء القابون، إن الإيجارات التي تتراوح بين 200 و300 دولار شهرياً دفعت العديد من العائلات إلى مغادرة الحي نحو الأرياف أو الضواحي، بحثاً عن بدائل أقل كلفة. وفي المقابل، اختارت عائلات أخرى ترميم منازلها بشكل بسيط للسكن فيها، رغم عدم جاهزيتها الكاملة.

وتضيف عبد الحي أن بعض الأسر اضطرت للعيش في محال تجارية أو أماكن غير مهيأة للسكن، نتيجة النقص الحاد في الأبنية الصالحة للإقامة، ما يعكس حجم الأزمة التي يواجهها العائدون في تأمين مأوى آمن.

في ظل هذا الواقع، تبدو العودة إلى القابون، بالنسبة لكثيرين، خياراً محفوفاً بالمخاطر والتكاليف، حيث يضطر السكان للموازنة بين عبء الإيجارات المرتفعة وخطر السكن في أبنية غير آمنة، في مشهد يعكس استمرار تداعيات الحرب على الحياة اليومية للسوريين.