“التكسي الأصفر” وتطبيقات النقل الذكية… صراع على لقمة العيش في شوارع دمشق

حجم الخط

يشهد قطاع النقل الداخلي في العاصمة دمشق تحولات متسارعة، مع الانتشار الواسع لشركات النقل الخاصة المعتمدة على التطبيقات الإلكترونية، في ظاهرة باتت تُعرف محلياً بـ“تكسي الموبايل”، الأمر الذي خلق حالة من التنافس الحاد مع سيارات الأجرة التقليدية، وأشعل جدلاً متصاعداً بين السائقين والركاب على حد سواء.

توسّع سريع يفرض واقعاً جديداً

خلال السنوات الأخيرة، حصلت أكثر من 22 شركة نقل خاصة على تراخيص للعمل في سوريا، معتمدة على تطبيقات إلكترونية تتيح حجز السيارات بسهولة، ما أدى إلى انتشارها في دمشق وعدد من المدن الرئيسية. هذا التوسع السريع فرض واقعاً جديداً في سوق النقل، حيث باتت هذه الخدمات تنافس بشكل مباشر “التكاسي الصفراء” التي شكّلت لعقود الوسيلة الأساسية لتنقل السوريين.

ومع تصاعد هذا التنافس، خرج عدد من سائقي التكاسي التقليدية في وقفات احتجاجية، معبرين عن غضبهم مما وصفوه بـ“سلب مصدر رزقهم”، ومطالبين الجهات المعنية بإيجاد حلول تنصفهم وتحمي مهنتهم.

سائقون يحتجون: “لقمة عيشنا في خطر”

عماد، وهو سائق تكسي في الأربعين من عمره، يعمل في المهنة منذ أكثر من عشرين عاماً، يقول إن تطبيقات النقل “استولت على الزبائن بشكل شبه كامل”، مضيفاً أن كثيراً من السائقين باتوا عاجزين عن تأمين دخلهم اليومي.

ويؤكد عماد أن العمل على التكسي الأصفر هو مصدر رزق وحيد لآلاف العائلات، معتبراً أن استمرار هذا الواقع دون تنظيم “سيؤدي إلى إقصاء السائقين القدامى من السوق”، مطالباً بحلول تضمن الحد الأدنى من العدالة بين الطرفين.

مستخدمون: خدمات أفضل وتكلفة أقل

في المقابل، يرى كثير من المواطنين أن خدمات النقل عبر التطبيقات توفر مزايا يصعب تجاهلها، سواء من حيث التكلفة أو الراحة أو الالتزام بالمواعيد.

وسيم، وهو موظف يضطر لاستخدام وسائل النقل بشكل يومي، يوضح أن أجرة التكسي التقليدي قد تصل إلى 50 ليرة للمسافة نفسها التي يمكن قطعها عبر تطبيقات النقل بنحو 35 ليرة فقط، مشيراً إلى أنه يحصل أيضاً على “خدمة أسرع، ومقعد أكثر راحة، وتعامل أكثر احتراماً”.

الراحة والأمان… عوامل حاسمة للركاب

وتشير إحدى السيدات، التي تعتمد على التنقل لتلقي العلاج بين منطقة برزة ومشفى البيروني في دمشق، إلى أن وضعها الصحي يدفعها لاختيار وسائل النقل الأكثر راحة.

وتقول إن العديد من سيارات الأجرة التقليدية “غير مهيأة لخدمة المرضى”، في ظل غياب العدادات أحياناً، وعدم الالتزام بقواعد أساسية مثل منع التدخين داخل المركبة، ما يجعل تجربة التنقل مرهقة. بالمقابل، تجد في سيارات التطبيقات “التزاماً أكبر بالقوانين وراحة أوضح للراكب”.

بين التنظيم والمنافسة… إلى أين يتجه القطاع؟

يعكس هذا الجدل المتصاعد في دمشق أزمة أعمق تتعلق بغياب تنظيم واضح يوازن بين التطور التكنولوجي وحماية سبل عيش العاملين في القطاعات التقليدية. فبينما تفرض تطبيقات النقل نفسها كخيار عصري يلبي احتياجات شريحة واسعة من المستخدمين، يجد سائقو التكاسي التقليدية أنفسهم في مواجهة تحديات غير مسبوقة تهدد استقرارهم المعيشي.

وفي ظل هذا الواقع، تبقى الحاجة ملحّة لوضع سياسات تنظيمية عادلة تضمن بيئة تنافسية متوازنة، تحفظ حقوق السائقين التقليديين، وتواكب في الوقت ذاته التحولات الحديثة في قطاع النقل، بما يحقق مصلحة المواطن أولاً وأخيراً.