افتتحت “مساحة حدائق التين” التابعة لدار إيبلا للفنون والثقافة، الخميس 16 نيسان/أبريل 2026، حديقتها الثالثة في مدينة داريا بريف دمشق، في خطوة تجمع بين الذاكرة والبيئة، عبر تحويل أسماء الضحايا والمغيبين إلى أشجار مثمرة تنمو في الأرض التي شهدت حكاياتهم.
وشهدت الفعالية، التي أُقيمت قرب جامع الصادق الأمين في الغوطة الغربية، مشاركة واسعة من الأهالي والأطفال، حيث بدأت بزراعة شتلات الورود، قبل أن تستكمل بزراعة أشجار الحديقة، إلى جانب لقاءات مجتمعية ورسم لوحة غرافيتي جسدت ذاكرة المكان.
وتضم الحديقة ستين شجرة مثمرة، خُصصت أربعون منها لأسماء راحلين من أبناء داريا، بينهم مغيبون في سجون النظام، فيما حملت عشرون شجرة أسماء ضحايا من مناطق سورية أخرى، في محاولة لربط الذاكرة المحلية بالسردية السورية الأوسع.
وقال جابر بكر، مسؤول مساحة حدائق التين في الدار، في حديث خاص لموقع سوريا 24، إن المشروع يقوم على “تحويل الذكرى إلى كيان حي”، موضحًا أن كل شجرة تحمل بطاقة تعريفية باسم الضحية وقصته، بما يتيح للزوار التعرف إلى سيرتهم واستعادة حضورهم الإنساني، بدلًا من بقائهم مجرد أرقام.
وتُعد حديقة داريا الأولى من نوعها في الغوطة الغربية، والثالثة ضمن سلسلة حدائق التين، بعد حديقة دير مار موسى في ريف دمشق، وحديقة حيش في ريف إدلب، في إطار مبادرة بيئية–سردية تسعى إلى تخليد الضحايا عبر زراعة الأشجار، بالشراكة مع المجتمعات المحلية ومنظمات مدنية.
وتحمل داريا رمزية خاصة في هذا السياق، إذ تقع على بعد ثمانية كيلومترات جنوب غرب دمشق، وتُعد من أبرز مدن الغوطة الغربية التي شهدت حراكًا مبكرًا منذ عام 2011، قبل أن تتعرض لعمليات عسكرية عنيفة ومجازر واعتقالات واسعة، انتهت بتهجير سكانها في صيف 2016. ولا تزال ذاكرة الفقد حاضرة في المدينة، مع غياب إحصاءات دقيقة لعدد الضحايا والمغيبين.
وبحسب بكر فإن المبادرة لا تقتصر حدائق التين على بعدها البيئي، بل تمثل محاولة لبناء “ذاكرة حية” تحفظ قصص الضحايا، عبر ربط كل شجرة بقاعدة بيانات رقمية تتيح الوصول إلى رواياتهم، في مواجهة محاولات طمس الحقيقة أو تغييبها.
تحيي هذه المبادرات، رغم بساطتها، الذاكرة السورية، وتحولها من التوثيق التقليدي إلى أشكال رمزية مستدامة، تعيد دمج الضحايا في الحياة اليومية، وتؤكد أن غياب العدالة لا يلغي الحق في التذكر.
⸻