حلب: مجلس المدينة يحظر التعامل بالعملة القديمة.. وشكاوى من عدم توفر “الجديدة”

حجم الخط

في خطوة تعكس تسارع التحول في السياسة النقدية السورية، قرر مجلس مدينة حلب منع التعامل بالعملة السورية “القديمة” داخل مؤسساته، وحصر عمليات الدفع بالعملة “الجديدة” فقط، في وقت لا تزال فيه الأولى متداولة على نطاق واسع في الأسواق المحلية.

التعميم، الصادر في 7 نيسان/أبريل 2026 والموقّع من رئيس المجلس المهندس طلال محمود جلال الجابري، يستند إلى توجيهات مصرف سورية المركزي، وينص على منع “مطلق” لقبض أي مبالغ بالعملة القديمة، تحت طائلة المساءلة.

وتشير هذه الخطوة، التي تأتي بعد أشهر من اعتماد التداول المزدوج بين العملتين، إلى انتقال تدريجي من مرحلة التكيّف إلى مرحلة الإلزام، لكنها في الوقت نفسه تضع المؤسسات العامة في مواجهة مباشرة مع واقع نقدي لم يستكمل تحولاته بعد.

سوق لم يواكب القرار بعد

رغم وضوح التعميم، ما تزال العملة القديمة تحافظ على حضور قوي في التعاملات اليومية، ما يخلق فجوة ملموسة بين الإطار التنظيمي والممارسة الفعلية.

في هذا السياق، يخشى بعض السكان من أن يؤدي هذا التباين إلى نشوء أشكال من الوساطة غير الرسمية أمام الدوائر الحكومية، حيث قد يُضطر المواطنون إلى استبدال أموالهم بشروط غير مواتية لتلبية متطلبات معاملاتهم.

ضغط على الصرافين وتعثر في السيولة

في حي الجميلية، أحد الأحياء التجارية في المدينة، يصف صاحب محل صرافة الوضع بأنه “غير متوازن”، مشيراً إلى تدفق يومي كبير للعملة القديمة، ويقول لموقع سوريا 24: “تأتينا مبالغ تتجاوز 300 مليون ليرة يومياً بهدف الاستبدال، وغالباً ما يتم تحويلها إلى الدولار، لكن في المقابل لا توجد مسارات قانونية وحيوية للعملة الجديدة”.

هذا التفاوت يظهر أيضاً في تجربة بعض المواطنين، يقول محمود عبد اللطيف لموقع سوريا 24 إنه راجع ثلاثة بنوك في حلب للحصول على العملة الجديدة، من دون أن ينجح في ذلك، ما يسلّط الضوء على الصعوبات العملية التي تواجه الأفراد في ظل تسارع الإجراءات الرسمية.

تقدم في الاستبدال وتمديد للمهلة

في المقابل، يؤكد حاكم مصرف سورية المركزي، عبد القادر الحصرية، أن عملية استبدال العملة تشهد تقدماً “ملحوظاً”. ووفق تقديراته، تعادل النسبة الحالية سحب ما يقارب 16.8 تريليون ليرة سورية قديمة من التداول، مقابل طرح نحو 168 مليار ليرة جديدة، في حال تساوت عمليات السحب مع الطرح.

ويرجّح الحصرية استكمال العملية خلال نحو ثلاثة أشهر إضافية، أي مع حلول منتصف أو أواخر حزيران/يونيو 2026، في حال استمرار الوتيرة الحالية.

وفي محاولة لتفادي اختناقات نقدية، قرر المصرف المركزي تمديد مهلة استبدال العملة القديمة لمدة 60 يوماً إضافية اعتباراً من الأول من نيسان/أبريل، لتشمل الفئات الرئيسية والفرعية من مختلف الإصدارات.

ويؤكد الحصرية أن الهدف من هذا التمديد هو “ضمان عملية سلسة ومنتظمة”، نافياً وجود نقص في الكتلة النقدية من العملة الجديدة، مع الإقرار بوجود تحديات “طبيعية” في هذه المرحلة الانتقالية.

خبير اقتصادي: نهاية مرحلة “التزاوج” النقدي

في قراءة تحليلية للمشهد، يعتبر الباحث الاقتصادي حيان حبابة أن ما يجري اليوم هو تطور طبيعي لمسار بدأ مع إطلاق العملة الجديدة، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً إلزامياً نحو ترسيخها في التداول اليومي.

ويقول لموقع سوريا 24 إن هذه “القرارات ضرورية إلى حد كبير، والسبب الرئيسي هو إدخال العملة الجديدة فعلياً في التعامل بين الناس، بعد أن لم يتم تداولها بما يتوافق مع التوقعات”.

ويصف حبابة المرحلة السابقة بأنها “مرحلة تزاوج” بين العملات، سواء بين الليرة السورية الجديدة والقديمة، أو بينها وبين عملات أخرى في بعض المناطق، معتبراً أن هذه المرحلة “بدأت تقترب من نهايتها”.

ويشرح ما ذكره، بالقول: “مرّت المرحلة الأولى، وهي مرحلة تزاوج العملات، وأعتقد أن هذه المرحلة بدأت تنتهي، وهذا القرار هو بداية النهاية لها”.

ويرى أن الإجراءات الأخيرة، بما فيها منع التعامل بالعملة القديمة في المؤسسات، تشكّل أداة ضغط إيجابية لدفع المواطنين نحو التبديل، قائلاً إن “هذا القرار هو محفّز للمواطن لاستبدال العملة القديمة بالجديدة”.

نقص فعلي أم فجوة إدراكية؟

ورداً على شكاوى المواطنين بشأن صعوبة الحصول على العملة الجديدة، ينفي حبابة وجود نقص حقيقي في الكتلة النقدية، مؤكداً أن القنوات الرسمية لا تزال تستوعب عمليات الاستبدال.

يقول حبابة: “ليس صحيحاً أن العملة الجديدة غير متوفرة.. البنوك ومراكز الصيرفة المعتمدة تستقبل كل من يريد استبدال العملة، والكميات متوفرة”.

ويعزو انتشار هذا الانطباع إلى تأثير ما يصفه بـ”اقتصاد الظل”، الذي قد يسعى إلى إبطاء عملية الانتقال، متهماً جهات، لم يسمها، تعمل على نشر إشاعات بهدف تخويف الناس أو منعهم من استبدال العملة.

صعوبات انتقالية… لا أزمة بنيوية

لا ينفي حبابة وجود صعوبات في المرحلة الحالية، لكنه يضعها ضمن سياق التحول الطبيعي، سواء من ناحية التكيّف مع القيم الجديدة أو من حيث السلوك النقدي للمجتمع.

ويقر حبابة ببعض الصعوبات في عملية التبديل، والتي من بينها: “صعوبة الحساب نسبياً والخوف من التغيير، وهذا أمر مرتبط بطبيعة الإنسان”.

ومع ذلك، يشدد على أن الاستمرار في التعامل بالعملة القديمة لم يعد خياراً واقعياً، وأن “تبديل العملة أصبح ضرورة، وليس خياراً، وهو في مصلحة المواطن بالدرجة الأولى”.

من الاختبار إلى الإلزام

ويفسر حبابة التأخر النسبي في الانتقال الكامل بكون المرحلة السابقة كانت اختباراً لمدى استجابة المجتمع، ويرى أن “مدة الأشهر الثلاثة كانت لاختبار التفاعل، لكن النتيجة كانت عدم جدية كافية، وربما عدم فهم كامل للفوائد”.

ويضيف أن التمديد لم يحقق النتائج المرجوة، ما دفع الجهات النقدية إلى الانتقال نحو فرض إجراءات أكثر إلزاماً.

اقتصاد الظل… عامل مقاومة صامت

ويربط حبابة بطء العملية أيضاً بمصالح بعض الفاعلين في الاقتصاد غير الرسمي، متهماً “المهربين وغاسلي الأموال وتجار المخدرات بوجود مصلحة لهم في بقاء العملة القديمة، والعمل على عرقلة عملية التبديل”.

متى تختفي العملة القديمة؟

وحول الإطار الزمني، يتوقع حبابة أن لا تستمر هذه المرحلة طويلاً، مشيراً إلى أنها “لن تستمر أكثر من سنة، وربما أقل أو أكثر بقليل”، وأن الأمر مرتبط بـ”تجاوب المجتمع وخطط المصرف المركزي”.

انعدام الثقة وغياب الترويج

على الرغم من أهمية قرار استبدال العملة، تشير معطيات ميدانية إلى وجود تحديات قد تحد من فاعليته على الأرض. من أبرز هذه التحديات محدودية مراكز الاستبدال المعتمدة، وغياب حملات توعوية كافية تشرح أهمية الانتقال إلى العملة الجديدة.

كما لا تزال مسألة الثقة تمثل عاملاً حاسماً، إذ لم تحظَ العملة الجديدة بانتشار كافٍ داخل الأوساط الشعبية، ولم تندمج بعد بشكل كامل في مختلف مناحي الحياة اليومية، الأمر الذي ينعكس في صعوبة حصول شريحة من المواطنين عليها.