“عدو الغوطتين”: الداخلية تبث اعترافات طيارين بقصف الغوطة واغتيال زهران علوش

حجم الخط

في مادة توثيقية تحمل طابعاً تحقيقياً واضحاً، بثّت وزارة الداخلية فيلماً مصوراً بعنوان “عدو الغوطتين”، يتضمن اعترافات مباشرة لعدد من الطيارين والضباط الذين خدموا ضمن قوات نظام الأسد خلال الثورة السورية. ويعرض الفيلم روايات تفصيلية حول آلية إصدار الأوامر العسكرية وتنفيذ الغارات الجوية التي استهدفت الأهالي والمناطق الثائرة، خصوصاً في الغوطة الشرقية.

يركّز على ثلاث شخصيات رئيسية: الطيار عبد الكريم عليا، والطيار رامي قنبر، واللواء ميزر صوان، حيث أدلوا باعترافات تتعلق بمشاركتهم في عمليات قصف جوي طالت مناطق مدنية. وتأتي هذه الشهادات ضمن تحقيقات تقودها “إدارة مكافحة الإرهاب”بهدف ملاحقة المتورطين في الجرائم المرتكبة بحق السوريين خلال سنوات الثورة.

تسلسل الأوامر داخل قوات نظام الأسد

أحد أبرز ما كشفه الفيلم هو طبيعة التسلسل القيادي داخل قوات نظام الأسد، حيث أكد المتهمون أن الأوامر كانت تصدر من مستويات عليا، مروراً بقيادة القوات الجوية، وصولاً إلى قادة الفرق العسكرية، قبل أن تُوزّع على المطارات والطيارين.

وكانت هذه الأوامر تصل على شكل إحداثيات محددة لمناطق يُطلب استهدافها، دون توضيح لطبيعة الهدف، ما يعني عملياً أن الطيارين كانوا ينفذون القصف دون تمييز واضح بين مواقع عسكرية أو مدنية. وأقرّ المتهمون بأن تنفيذ هذه الأوامر كان يتم بشكل روتيني، باعتباره جزءاً من العمل العسكري اليومي داخل المنظومة.

استهداف المناطق الثائرة والأهالي

تسلط الاعترافات  الضوء على غارات استهدفت مناطق معروفة بموقفها المعارض لنظام الأسد، مثل دوما ودير العصافير في الغوطة الشرقية، حيث وقعت مجازر كبيرة بحق الأهالي. وتشير  إلى استخدام صواريخ شديدة الانفجار وقنابل فراغية، تسببت بدمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين المدنيين.

كما وردت شهادات تتحدث عن استخدام أسلحة غير تقليدية، حيث أشار أحد الضباط إلى قنبلة “غير مألوفة” يُرجح أنها ذات طابع كيميائي، لافتاً إلى أنه تم اختبارها مسبقاً قبل استخدامها في مناطق مأهولة، ما يعكس خطورة طبيعة العمليات التي نُفذت.

تفاصيل تنفيذ الغارات الجوية

قدّمت الاعترافات وصفاً دقيقاً لآلية تنفيذ الطلعات الجوية، بدءاً من تجهيز الطائرات وتحميلها بالذخائر، وصولاً إلى تنفيذ الضربات. وأوضح أحد الطيارين أنه نفّذ طلعة على ارتفاع منخفض جداً، قبل أن يتبعه طيار آخر بقصف الموقع نفسه، ما أدى إلى دمار كبير وسقوط ضحايا في المكان.

كما كشف التحقيق أن وتيرة الطلعات الجوية كانت مرتفعة، إذ وصل المعدل الشهري في بعض المطارات إلى نحو 90 طلعة، ما يعني أن الطيارين شاركوا في مئات العمليات التي استهدفت مناطق مختلفة خلال الثورة السورية.

عمليات اغتيال واستهداف مباشر

تضمن الفيلم اعترافات حول المشاركة في عمليات استهداف شخصيات بارزة في صفوف الثورة، من بينها العملية التي أدت إلى مقتل قائد جيش الإسلام زهران علوش، حيث تم رصد تحركاته عبر طائرة مسيّرة، ثم تنفيذ الغارة بناءً على الإحداثيات.

وأشار أحد المتهمين إلى أن مثل هذه العمليات كانت تترافق أحياناً مع مكافآت مالية، ما يعكس وجود نظام تحفيزي مرتبط بتنفيذ المهام، بغض النظر عن طبيعتها أو نتائجها على الأرض.

التبرير تحت ذريعة “الأوامر”

في سياق الدفاع عن أنفسهم، كرر الطيارون والضباط أنهم كانوا جزءاً من “هرم عسكري” يفرض عليهم تنفيذ الأوامر دون نقاش، وأن رفض الأوامر كان قد يؤدي إلى تصفيتهم أو تعريض عائلاتهم للخطر. واعتبر بعضهم أن الخوف والرغبة في البقاء كانا دافعين رئيسيين للاستمرار في تنفيذ تلك المهام.

إلا أن المحققين واجهوهم بانتقادات حادة، مؤكدين أن معرفة نتائج القصف وسقوط المدنيين كان يجب أن يدفعهم لرفض تنفيذ الأوامر، واعتبروا أن التذرع بعدم معرفة الهدف لا يبرر المشاركة في هذه الجرائم.

شهادات من الأهالي تحت القصف

لم يقتصر الفيلم على اعترافات المتهمين، بل تضمن أيضاً شهادات من الأهالي في المناطق الثائرة، حيث تحدثوا عن حياتهم تحت القصف المستمر واضطرارهم للعيش في الملاجئ لفترات طويلة.

ووصف بعضهم كيف تحولت حياتهم إلى معاناة يومية في ظل القصف الليلي والنهاري، وفقدان الأمان، وسقوط الضحايا من النساء والأطفال، ما يعكس حجم المأساة التي عاشها المدنيون.

ملفات الجرائم والانتهاكات

أشار القائمون على التحقيق إلى أن هذا الفيلم يأتي ضمن جهود أوسع تشمل عدة ملفات، أبرزها ملف الطيارين، وملف استخدام الأسلحة الكيميائية، إضافة إلى ملفات أخرى تتعلق بانتهاكات واسعة خلال الثورة السورية. وتهدف هذه التحقيقات إلى توثيق الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها.

مسار العدالة والمحاسبة

وفي ختام فيديو التحقيق تم التأكيد على اعتقال عدد من المتهمين داخل سوريا، ووضعهم قيد التحقيق، تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء.

كما شددت الجهات المعنية على استمرار ملاحقة بقية المتورطين، والعمل على تقديمهم للعدالة ضمن مسار قانوني.

وأكد القائمون على التحقيق أن الهدف من هذه الجهود هو إنصاف الضحايا، ومحاسبة كل من تورط في ارتكاب جرائم بحق الأهالي والمناطق الثائرة، مشيرين إلى أن العدالة ستتحقق، سواء عبر المحاكم الأرضية أو في ميزان العدالة الإلهية.

يعكس فيلم “عدو الغوطتين” صورة قاسية ومباشرة لمرحلة من الثورة السورية، من خلال الجمع بين اعترافات المتهمين وشهادات الضحايا، ليشكّل وثيقة توثيقية تسلط الضوء على طبيعة الجرائم المرتكبة، وتفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول المسؤولية والمحاسبة.

لمشاهدة المادة المصورة التي بثتها وزارة الداخلية السورية:

https://www.facebook.com/share/v/18Zizg4MvZ/