بانياس: تراجع الزواج مع ارتفاع الذهب والاعتماد على الديون

حجم الخط

تشهد مدينة بانياس الساحلية، كغيرها من المناطق السورية، تحولات اجتماعية عميقة انعكست بشكل واضح على ملف الزواج، الذي لم يعد مجرد محطة طبيعية في حياة الشباب، بل تحول إلى تحدٍ اقتصادي معقد يفرض حسابات دقيقة، ويؤجل قرارات الارتباط إلى أجل غير معلوم.

وفي ظل تدهور القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، بات “القفص الذهبي” أقرب إلى حلم مؤجل، أو مشروع مكلف لا يمكن الإقدام عليه إلا عبر الاستدانة.

الذهب: العائق الأكبر أمام الارتباط

في صدارة التحديات، يبرز الذهب بوصفه العقبة الأكثر ثقلاً، إذ سجلت أسعاره مستويات قياسية غير مسبوقة، مع وصول سعر غرام الذهب عيار 21 إلى نحو 130.27 دولاراً، وعيار 18 إلى قرابة 111.66 دولاراً، مع تقلبات يومية مستمرة.

هذه الأرقام وضعت الشباب أمام معادلة صعبة، حيث بات شراء أبسط قطع المصاغ، كخاتم وخيط، يتطلب ما يعادل راتب موظف لعدة سنوات.

هذا الواقع أدى إلى تراجع ملحوظ في الإقبال على شراء الذهب، وتحوله من تقليد اجتماعي راسخ إلى عبء مالي ثقيل، يدفع كثيرين إلى إعادة النظر في جدوى الالتزام بهذه العادة، أو البحث عن بدائل رمزية أقل تكلفة.

تكاليف التأسيس: أرقام تتجاوز الإمكانات

ولا تقف الأزمة عند حدود الذهب، بل تمتد إلى مجمل تكاليف تأسيس الحياة الزوجية، حيث يحتاج الشاب اليوم إلى ما لا يقل عن 70 إلى 100 مليون ليرة سورية لتجهيز منزل متواضع، يشمل الحد الأدنى من الأثاث والأجهزة الكهربائية.

ومع إضافة تكاليف حفل الزفاف والمستلزمات الأخرى، تقفز الميزانية إلى مستويات توصف بـ”الانفجارية”، مقارنة بمتوسط دخل شهري لا يكاد يغطي الاحتياجات الأساسية.

هذه الفجوة بين الدخل والتكاليف جعلت الزواج مشروعاً مالياً معقداً، يتطلب إما دعماً عائلياً كبيراً أو اللجوء إلى الديون، وهو خيار بات شائعاً رغم مخاطره طويلة الأمد.

عوامل متداخلة تعمّق الظاهرة

تراجع الإقبال على الزواج في بانياس لا يرتبط فقط بارتفاع الأسعار، بل يأتي نتيجة مجموعة من العوامل المتشابكة، في مقدمتها أزمة السكن، حيث تلتهم الإيجارات الجزء الأكبر من دخل الشباب، في ظل غياب فرص التملك أو الدعم الحكومي الكافي.

كما تلعب الفجوة المتزايدة بين الرواتب والأسعار دوراً محورياً في تعميق الأزمة، إذ لم تعد الدخول الشهرية قادرة على مواكبة التضخم، ما يجعل التفكير في الزواج خطوة محفوفة بالمخاطر.

إلى جانب ذلك، يستمر نزيف الهجرة، حيث يفضل كثير من الشباب البحث عن فرص خارج البلاد، ما يؤدي إلى اختلال في التوازن الديموغرافي ويؤثر على فرص الارتباط.

كما تفرض الضغوط النفسية الناتجة عن غياب الاستقرار الاقتصادي حالة من التردد والخوف من تحمل مسؤوليات أسرية في ظل مستقبل غير واضح المعالم.

الريف لم يعد ملاذاً آمناً

وعلى خلاف الصورة النمطية التي كانت تربط الزواج الميسر بالريف، تشير المعطيات إلى أن الأزمة باتت شاملة، حيث لم تعد القرى بمنأى عن الغلاء، فالشباب في المناطق الريفية يواجهون التحديات ذاتها، من ارتفاع المهور إلى تكاليف التجهيز، بل إن تراجع الموارد الزراعية زاد من تعقيد المشهد، وجعل القدرة على الادخار أكثر صعوبة.

أولويات تتغير

في هذا السياق، يقول سامر سعيد، من سكان بانياس، في حديث لمنصة سوريا 24: “نحن لا نرفض الزواج كفكرة، لكننا نرفض الاستدانة لسنوات من أجل مظاهر زائفة”، مضيفاً أن: “الذهب اليوم صار لمن استطاع إليه سبيلاً، وأنا كشاب أرى أن تأمين لقمة العيش والاستقرار أهم من طقم ذهب سيوضع في الخزانة”.

من جانبها، تشير لينا طاهر، في حديث لمنصة سوريا 24، إلى تحول في وعي الفتيات، قائلة: “الكثير منا يفضل التخلي عن الذهب مقابل سكن مستقل أو مشروع صغير”، مضيفة: “المشكلة ليست في شروطنا، بل في واقع لا يسمح حتى بتأمين الحد الأدنى من متطلبات البيت”.

وتعكس هذه الشهادات تغيراً تدريجياً في النظرة الاجتماعية للزواج، حيث بدأت الأولويات تميل نحو الاستقرار الاقتصادي بدلاً من الالتزام بالمظاهر التقليدية.

حلول مقترحة بين الواقع والطموح

أمام هذا الواقع، يطرح بعض الأهالي، حسب ما نقل يامن ياسين، ناشط في المجال المدني والصحفي، في حديث لمنصة سوريا 24، مجموعة من الحلول التي قد تسهم في تخفيف حدة الأزمة، أبرزها نشر ثقافة “التيسير” عبر حملات توعية تدعو إلى تخفيض المهور والاستعاضة عن الذهب ببدائل رمزية، بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية.

كما تبرز الحاجة إلى تفعيل دور المصارف في تقديم قروض زواج طويلة الأمد بشروط ميسرة، إلى جانب تشجيع مبادرات الأعراس الجماعية التي تسهم في تقليل التكاليف، وتوفير بيئة اجتماعية داعمة.

وفي السياق ذاته، ينظر إلى دعم مشاريع السكن الشبابي كأحد الحلول الجوهرية، من خلال توفير مساكن بأسعار مدعومة أو بنظام الإيجار طويل الأمد، ما يمنح الأزواج الجدد فرصة للبدء بحياة مستقرة.

أزمة تتجاوز الأفراد إلى المجتمع

في المحصلة، لم يعد تراجع معدلات الزواج في بانياس مجرد ظاهرة فردية، بل تحول إلى مؤشر مقلق يحمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية عميقة، تهدد على المدى البعيد بنية المجتمع وتوازنه السكاني.

وبين غلاء الذهب وتضخم التكاليف وضعف الدخل، يجد الشباب أنفسهم أمام خيارات محدودة، حيث يصبح الدين بوابة شبه إلزامية للزواج، أو يبقى القرار مؤجلاً بانتظار تحسن اقتصادي يبدو، حتى الآن، بعيد المنال.