في درعا.. حين أصبح الوقود عبئا على الخبز والحياة

حجم الخط

قبل الظهيرة بقليل، كان موظف حكومي خمسيني في أحد أحياء درعا يحاول حساب ما تبقى من راتبه الشهري فوق طاولة صغيرة داخل منزل متضرر جزئيا.

الرجل، وهو أب لسبعة أطفال جميعهم في المدارس، يقول إن راتبه البالغ 950 ألف ليرة سورية “لا يكفي ليومين”، بينما تتسع يوميا المسافة بين دخله وتكاليف الحياة.

لم تعد أزمة المحروقات بالنسبة لسكان درعا مرتبطة فقط بارتفاع سعر الوقود، بل تحولت إلى عبء يطال تفاصيل الحياة اليومية؛ من الخبز والمواصلات، إلى الكهرباء والخضار والإيجارات، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتزداد الضغوط المعيشية على العائلات.

يقول الموظف، البالغ من العمر 55 عاما، إنه لم يعد قادرا على العمل الإضافي بعد خضوعه لعمليتين جراحيتين في القلب، مضيفا: “باتت وجبات العائلة تقتصر في كثير من الأيام على اللبن وربطتي خبز”.

ويتحدث عن فاتورة كهرباء وصلت إلى ملايين الليرات، رغم أن منزله لا يحتوي سوى على الأدوات الأساسية، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات انعكس مباشرة على أسعار الخبز والمواصلات ومعظم المواد الغذائية.

ويضيف: “بيتي مدمر، والحياة أصبحت أصعب من أي وقت مضى. الناس التي كانت تعاني من الفقر ازدادت هشاشة، بينما الرواتب لم تعد تكفي لشراء أبسط الاحتياجات”.

سائقو الأجرة بين ارتفاع الوقود وتراجع الحركة

في شوارع المدينة، تبدو الأزمة أكثر وضوحا لدى العاملين في قطاع النقل. أحد سائقي سيارات الأجرة في درعا يقول إن رفع أسعار الوقود أدى إلى تراجع الحركة بشكل كبير، موضحا أن “المواطن لم يعد يملك أجرة الطريق، والسائق لم يعد قادرا على تغطية تكاليف العمل”.

ويضيف أن تأثير الأزمة طال الخبز أيضا، مع انخفاض وزن ربطة الخبز وارتفاع أسعار معظم السلع الأساسية، قائلا: “كل شيء أصبح أغلى، والشعب لم يعد يحتمل المزيد”.

وفي حي آخر من المدينة، يعيش نازح من محافظة القنيطرة مع عائلته داخل منزل مستأجر تتجاوز أجرته 800 ألف ليرة شهريا. الرجل، الذي يعيل زوجة وابنتين وطفلا من ذوي الإعاقة، يقول إن العمل أصبح شبه معدوم بعد ارتفاع أسعار الوقود وتراجع حركة الأسواق.

ويقول: “أعيش على دخل بسيط جدا، وكل يوم هناك تهديد بإخلاء المنزل بسبب الإيجار”. ويضيف أن كثيرا من العائلات لم تعد قادرة على تأمين أساسيات الحياة، خاصة من لا يملكون تحويلات مالية من الخارج أو وظائف مستقرة.

المخابز: خفض وزن الربطة مرتبط بأسعار الطحين

في المقابل، يؤكد مدير المخابز في درعا أسامة عبيد لموقع سوريا 24 أن قرار رفع أسعار المحروقات لم يؤثر بشكل مباشر على واردات الوقود المخصصة للمخابز، موضحا أن “كل مخبز بات يؤمن احتياجاته الفعلية فقط من المحروقات، بينما تعتمد أغلب الأفران حاليا على الكهرباء لتشغيل خطوط الإنتاج”.

ويشير عبيد إلى أن مؤسسة المخابز تتحمل، ضمن عقود التشاركية، نصف تكاليف استهلاك الكهرباء مع الشريك المشغل، لافتا إلى أن انخفاض عدد الأرغفة لا يرتبط بأسعار المحروقات بقدر ما يرتبط بتخفيض وزن الربطة وارتفاع أسعار الطحين عالميا.

ويضيف أن سعر ربطة الخبز بات قريبا جدا من سعر التكلفة، مع هامش ربح بسيط للغاية، مؤكدا أن قرار رفع المحروقات لم يؤثر مباشرة على حجم الإنتاج، إلا أن قرارا آخر قضى بتخفيض مخصصات الأفران من الطحين بنسبة 1.75 بالمئة، ما انعكس على الكميات المطروحة في الأسواق.

الوقود يضغط على الأمن الغذائي

بدورها، ترى الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح، نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية في درعا، أن أزمة المحروقات في سوريا تجاوزت كونها أزمة مرتبطة بالطاقة فقط، لتتحول إلى أزمة معيشية تمس الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي بشكل مباشر.

وتقول إن الخبز يعد من أكثر السلع تأثرا بارتفاع أسعار المحروقات، باعتباره مادة أساسية تعتمد عملية إنتاجها على الوقود والطاقة في جميع المراحل، بدءا من زراعة القمح وحتى وصول الرغيف إلى المستهلك.

وتوضح الشياح أن ارتفاع أسعار المحروقات يرفع تكاليف الزراعة والنقل والتصنيع معا، لأن المزارعين يعتمدون على المازوت لتشغيل مضخات الري والجرارات الزراعية، كما تحتاج المطاحن والأفران ووسائل النقل إلى الطاقة بشكل مستمر، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار الوقود ينعكس تلقائيا على تكلفة الغذاء.

وترى أن الأفران الحكومية والخاصة تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل، الأمر الذي يدفع بعضها إلى تقليص الجودة أو تخفيض وزن ربطة الخبز لتخفيف الخسائر، بينما تواجه الأفران الحكومية أعباء إضافية تجعل استمرار الدعم الكامل أكثر صعوبة.

وتؤكد الشياح أن المواطن السوري يبقى الطرف الأكثر تضررا، لأن الخبز يمثل جزءا أساسيا من غذائه اليومي، خاصة في ظل تراجع القدرة على شراء اللحوم والمواد الغذائية مرتفعة الثمن.

ولا يتوقف تأثير ارتفاع المحروقات عند الخبز فقط، بل يمتد إلى مختلف القطاعات المرتبطة بالطاقة، مثل النقل والصحة والتعليم والخدمات، ما يؤدي إلى موجة تضخم واسعة تشمل معظم السلع الأساسية.

وتضيف أن الفئات محدودة الدخل، مثل الموظفين والعمال والمتقاعدين والنازحين، تعد الأكثر تأثرا بهذه الظروف، لأنها تنفق أصلا معظم دخلها على الاحتياجات الأساسية، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتضعف القدرة على زيادة الدخل.

وتحذر الشياح من أن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات يهدد بتوسيع دائرة الفقر وسوء التغذية، خاصة مع اضطرار كثير من الأسر إلى تقليل عدد الوجبات اليومية أو الاستغناء عن مواد غذائية أساسية بسبب ارتفاع أسعارها.

وفي مدينة أنهكتها الحرب والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، تبدو المحروقات اليوم أكثر من مجرد مادة أساسية، إذ تحولت إلى عامل يحدد قدرة السكان على تأمين الخبز والتنقل والكهرباء، وحتى الحفاظ على الحد الأدنى الممكن من الاستقرار المعيشي.

 

ما القضية التي يجب أن تكون أولوية للحكومة السورية حالياً؟

  • ضبط الأسعار (100%، 1 الأصوات‏)
  • تحسين الشبكة الكهربائية (0%، 0 الأصوات‏)
  • توفير فرص العمل (0%، 0 الأصوات‏)

مجموع المصوتين: 1

Loading ...